هل يستطيع سعد الدين العثماني تقديم استقالته؟؟؟

صالح أيت خزانةصالح أيت خزانة

جرت الكثير من المياه تحت سفينة السيد العثماني منذ توليه رئاسة حكومة تمخضت عن ممانعات سياسوية وحزبوية كادت تغرق المشهد السياسي المغربي في زلزال يعصف بالأحزاب السياسية المغربية، منذ عائق “البلوكاج الحكومي” الذي بدأت تداعياته السلبية تطفو على سطح النموذج التنموي المغربي الذي لم يعد صالحا(1)، وأضحى استبداله حتمية وطنية مستعجلة.

فـ”الاستقرار” الذي نعم به المغاربة خلال الست الأشهر الأخيرة التي تولى فيها السيد العثماني رئاسة الحكومة المغربية ليس سوى إحدى الأفضال التي خلفتها الحكومة السابقة. إذ لم يكن أمام السيد العثماني قدرة أدبية وسياسية تجعله يقطع مع مسار خلفه السيد بنكيران رغم إشاراته التي توحي بأنه يبني لنهج جديد في الحكم، ويؤسس لأسلوب في التدبير مختلف، يجعله يتميز ببصمته الخاصة. فالظرفية السياسية التي ولدت فيها الحكومة الحالية، والتي تميزت باحتقان غير مسبوق، ناتج عن مخلفات انتخابات غير عادية، مما أدى إلى اصطفافات غير طبيعية، ومُمَانعات حزبوية غير مسبوقة، بالإضافة إلى التقاطبات/الصراعات التي يعرفها الداخل الحزبي للحزب الحاكم، بين تيار السيد بنكيران وتيار الاستوزار “المبايع” للسيد العثماني، والتي لازال السيد العثماني، إلى حدود كتابة هذه الأسطر، لا يعترف بوجودها، ويعتبرها مجرد تدافعات عادية لا تفسد للعلاقات البَيْنِ ـ حزبية قضية،… قلت: هذه الظرفية السياسية لن تسمح للسيد العثماني ولا لحزبه الاستقلال أكثر بتسيير دفة حكم يسير وفق نهج خاص جدا، ويلبي حاجيات خاصة جدا، ويستجيب لتعليمات محددة الأهداف، قد تكون نكوصية، تبغي إعادة ترتيب الحكم المغربي وفق الأجندات القديمة التي ظلت تتميز بسمات الضبط والربط والصرامة المطلقة في حكم الناس، وتدبير معيشهم اليومي، وتَبْنِي علاقاتهم مع السلطة على التخويف والترهيب وتكميم الأفواه، بدل الخدمة والتقريب. وقد تكون تطهيرية، تطهر السراديب المتحكمة في حكم المغاربة، وإدارة شؤونهم، عبر الآلية الدستورية “ربط المسؤولية بالمحاسبة”، وتجعل من صوت الشعب عنوان الحراك الجديد نحو المزيد من التصفية، والمحاسبة، والتطهير.

فـ”طائفة” من داخل السراديب إياها، تعمل منذ بدأ يخبو صوت الاحتجاج العشريني، تعد نفسها للانقضاض على مكاسب دستور 2011 وخطاب 9 مارس التاريخي، لإعادة عقارب الانتقال الديمقراطي الذي كاد المغاربة يتلمسون، لأول مرة في تاريخهم السياسي، أزاهيرَه البراقة، لولا الممانعات إياها، إلى ما قبل 2011، وإعادة التحكم في أجلى صوره الرمادية البائدة. وهي “الطائفة” التي تحاول، الآن، “الركوب” على خطب الملك الأخيرة حول الحكامة، والصرامة، وربط المسؤولية بالمحاسبة،… خصوصا خطاب العرش الأخير الذي أكد مضامينَه أكثر خطاب افتتاح الدورة الخريفية للبرلمان ليوم 13 أكتوبر 2017، وتحويلها إلى “مستندات شرعية” لوضع اليد على المشهد الحزبي الوطني، وتوجيه دفة الأحزاب السياسية إلى حضن الطاعة، خصوصا وأن الملك ظل في خطبه الأخيرة ينعَى على الأحزاب السياسية ضُعفَها، وانسحابَها من حياة المواطن، وانشغالها بمصالحها الخاصة، واشتد قرعه لها أكثر حينما هددها، في خطابه الأخير، بالزلزال الذي سيقتلعها من جذورها، ويذهب بها، وبرؤوسها التي بدأت تتساقط تَتْراً . وهو ما شهدناه مؤخرا مع البام والاستقلال.. والبيجيدي على الأبواب. وهو “ركوب”، إن تحقق، سيكون ضدا على الإرادة الملكية في تقوية المشهد الحزبي، وجعله في خدمة المواطن الكادح، بدل أن يبقى في خدمة المصالح الخاصة.

فالسيد العثماني، كما حزبه، يَعُون، جيدا، أن الظرفية السياسية التي جاء خلالها السيد بنكيران إلى الحكم، ليست، ولن تكون أبدا، مثل الظرفية التي يدبر فيها السيد العثماني الحكم الآن. فالأولى شمِلها عطفُ شعبٍ انتفض خلال حراك شعبي قوي ومؤسس، انتهى إلى إصلاحات دستورية وسياسية غير مسبوقة، وفُتِح فيه المجال أمام الأصوات المُكمَّمة تعبر عن حاجاتها، وتحتج بقوة على الفساد والاستبداد. وظرفية لا تشبهها بالمطلق. فلا مجال لعقد قياس مُقارِن بين الظرفيتين، وادعاء أن العثماني يُسَيِّر أو سَيُسَيِّر على خُطى بنكيران. فهذا الأخير خاض بداياتِ حكمٍ (السنتان الأوليتان على الأقل) بأريحية كبيرة، ساهمت فيها قوتان أساسيتان: قوة المساندة الشعبية الكبيرة جدا، و قوة الحزب القوي والمتماسك والمساند، قبل أن تبدأ أعاصير الانشقاق تعمل عملها في هيكل حكومةٍ بعضُ أعضائها آذانٌ لـ “العفاريت” و”التماسيح” التي ظل بنكيران يشكو منها، ويشتكي، ويهدد بالاستقالة، و”رمي المفاتيح” حتى النهاية !. فلم يفعل، وما كان له أن يفعل. وظل متمسكا بالحكم، حتى أُعْفِيَ !.

أما العثماني، فقد جاء إلى الحكم بعد أن قُطِع مع أيام “المشماش”، وأصبحت القوة تقاس بمقدار الطاعة، والقبول بشروط اللعبة، لا بكثرة المقاعد. كما أنه قبِل برئاسة حكومة تحت أجندات وشروط لمْ تلقَ إجماعا من مناضلي الحزب. مما فرق الآراء، وعمق الخلاف، ونقل الغسيل إلى الشارع. فما عاد أمام السيد العثماني من سبيل سوى الاستمرار في تسيير حكم بأقل الصلاحيات الدستورية الممكنة، ناهيك عن المطالبة بالتمكن من جميعها، تحت مُمَانعات حزبية صديقة، وسلطة دولة قوية تَأمر ولا تُؤمر، وتَذَمُّر “إخواني” قد يعصف بالبيت الداخلي، ويُحيله إلى مُزَق.

فالحزب، على مشارف المؤتمر الثامن، يتململ. وأغلب “الإخوان” غير راضين على حكم “الأخ” العثماني، وموقع الحزب من هذا الخضم المشكل. و”الأخ” العثماني يُلَوِّح بالاستقالة من رئاسة المجلس الوطني والحكومة معا(2).. كل هذا بعد انصرام ست أشهر فقط من تسيير دفة الحكم. فلا هو عام ولا هو عامان.. ستة أشهر من خمس سنوات، أجرت الكثير من المياه تحت سفينة العثماني !!.

فهل يستطيع العثماني أن يمارس “حقه” في الاستقالة في بلد لم يُعْهَدْ فيه من الحكام أن يستقيلوا إلاَّ أنْ يُقَالُوا؟؟ !!.

في أَوْجِ صراعاته “البوليميكية”، وكرزمته الحُكمية غير المسبوقة، لم يستطع بنكيران أن يستقيل و”يَلُوحَ سْوارت”، وظل يُزايِد بـ”استقالته” على الخصوم ، ويرسل الإشارات إلى من يهمه الأمر وحسبُ؛ حتى أُعفِيَ !.

والسيد العثماني على خطاه، يُسمِع “الإخوان” ومعهم الرأي العام، بأنه قد يفعلها. فهل يستطيع..؟ !!

في الدول الديمقراطية التي تحترم مواطنيها، يستقيل الحاكم حينما يُخطِئ في حق الشعب. أماعندنا، فيستقيل، أو بالأحرى، يُلَوِّح بالاستقالة حينما يخطئ في حق شعبه الخاص/أتباعه، أو حينما يخاف من المحاسبة، أو من فقدان كرسيه.

فقد فعلها عبد الناصر قبلهم جميعا بعد هزيمة 1967.. حينما قال:” سأتنحى عن الحكم نهائيا”. ثم استمر بعد أن أنزل المقربون الشعبَ إلى الشارع ليعود !.

فعن أي استقالة يتحدثون؟.. ومن يستطيعها؟ !!

إنهم يعلمون أنهم لا يستطيعون، ولكنهم يحاولون الإيهام ولا شيء غير الإيهام !!.

دمتم على وطن.. !!

————–

(1) ” ..إن النموذج التنموي الوطني أصبح اليوم، غير قادر على الاستجابة للمطالب الملحة، والحاجيات المتزايدة للمواطنين، وغير قادر على الحد من الفوارق بين الفئات ومن التفاوتات المجالية، وعلى تحقيق العدالة الاجتماعية”. من خطاب الملك ليوم الجمعة 13 أكتوبر 2017.

(2) خلال لقاء تنظيمي بمدينة مكناس لانتداب أعضاء الحزب للمؤتمر.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *