لجان تقصي الحقائق… مسكنات للغليان والاحتجاجات بعد الفواجع والنكبات

عبد الله الساورةعبد الله الساورة

كلما آلت الأحداث إلى ما يشبه التراجيديا أو المأساة يهرع البعض إلى المناداة والإسراع بتأسيس لجان لتقصي الحقائق… هل أصبحت موضة؟ وهل يعني مولدها أنه فعلا بمثابة إعلان وفاتها؟ فشل مشروع منارة المتوسط وسبعة أشهر من الاحتجاجات المتواصلة بالحسيمة ومعتقلون يقبعون خلف القضبان… أحداث متسارعة سرعت من وتيرة تأسيس لجنة لتقصي الحقائق… وتابع الرأي الوطني في ما يشبه المسرحية الهزلية اللجنة تصل إلى المكان… اللجنة تعد تقريرا مفصلا… اللجنة تعقد مع رئيس البرلمان جلسة مطولة… ويتلاشى الصدى شيئا فشيئا ويذوب في النسيان… ليست هي المرة الأولى ولن تكون الأخيرة..

تأخذ لجان تقصي الحقائق شكلا مؤقتا نظرا لطبيعتها وميلادها الفجائي وإفرازاتها اللحظية، وفي محاولة من السلطة لتهدئة النفوس الثائرة والمشتعلة، وتنتهي أعمالها بإيداع تقريرها لدى مكتب المجلس المعني، وعند الاقتضاء، بإحالته على القضاء من قبل رئيس المجلس. تخصص جلسة عمومية داخل المجلس المعني لمناقشة تقارير لجان تقصي الحقائق، ويحدد قانون تنظيمي طريقة تسيير هذه اللجان.

الفواجع كثيرة لا يمكن حصرها، ومن بينها “فاجعة حافلة واد الشبيكة”، التي وقعت يوم الجمعة 10 أبريل 2015، والتي لقي إثرها 33 شخصاً مصرعهم احتراقاً. الأطفال الذين قضوا نحبهم في هذه الواقعة الأليمة كانوا عائدين لتوّهم من مدينة بوزنيقة، حيث كانوا يقطنون إبّان مشاركتهم في الألعاب المدرسية الوطنية… “فاجعة طانطان” لم تخلّف فقط رحيل أطفال صغار تتراوح أعمارهم ما بين 10 و13 سنة، بل كذلك مجموعة من الرياضيين، من بينهم العداء المغربي محمد أسنكار… استبشر المغاربة خيرا وتفاؤلا وتكونت لجنة لتقصي الحقائق على ما يربو ثلاث سنين لازالت تراوح مكانها، ولازالت وزارة الداخلية متكتمة عن نتائجها، وظلت طي النسيان أو طواها النسيان… لن نتساءل لماذا يهرع المسؤولون لحظة وقوع الفواجع إلى عقد لجان وكأنهم يؤسسون جمعية ثقافية أو رياضية تشتغل مدة قصيرة وينتهي أمرها ولا شيء في الأفق… غير الحزن الذي يؤتى من ذكر هذه الفواجع.

تعتبر لجان تقصي الحقائق والدعوات إلى تشكيلها نتيجة طبيعية للأحداث ذات الصبغة الاجتماعية الملحة جراء الغليان والاحتجاجات المصاحبة لهذه الفواجع، لكنها في معظمها تعبير عن حالات من التسويف والمماطلة، وتعبير صريح عن تنمية معطوبة وطلاق قديم ببينونة كبرى بين النخبة والمجتمع… ويبقى السؤال مطروحا:

كيف يمكن أن تجد لجنة تقصي الحقائق طريقها الصحيح نحو البحث عن مشروعية تقاريرها دون أن تصدم بحيطان الخيبة والتراجع، وحتى لا تبقى سوى ملفات في الرفوف مهما تعالت درجات المسؤولين ومراتبهم، ودون خطوط حمراء وفي احترام كامل وتام للقانون وللدستور…؟.

لجنة تقضي الحقائق في فيضانات كلميم ونواحيها أقبرت أم تم إقبارها؟… هناك من تحدث عن خرق دستوري لمقتضيات الفصل 67..بل من العبث المطالبة بتفعيل اللجنة أو الإعلان الرسمي عن تقديم استقالتها وتوضيح خلفيات ذلك، وتحديد لجنة جديدة لممارسة مهام لجنة تقصي الحقائق… استقالات اللجنة… نسيانها… اندحارها… تخبطها… تراكم مشاغلها… تيهها… هكذا تطوى الصفحات تلو الصفحات…

يقتضي ربط المسؤولية بالمحاسبة أن تكون للوزير مسؤولية أخلاقية، كما من المفترض فيه التحلي بأمرين أساسين؛ أولها الاعتراف بالمسؤولية الكاملة مهما تعاظم الحادث عن الخطأ المرتكب، ثانيا الشجاعة الكافية لمواجهة الموقف ومواجهة الغليان؛ على اعتبار أن المخطئ مهما عظمت مرتبته داخل هرم الدولة يعمل وفق قوانين محددة لا يمكنه تجازوها؛ لأنه يشتغل تحت إشراف مباشر من الوزير. ويعمل هذا الموظف بطبيعة الحال على تنفيذ السياسة العمومية للوزارة التي ينتمي إليها وسياسة الحكومة بشكل عام.

يقودنا هذا الأمر إلى فاجعة الصويرة… سوء التنظيم أثناء توزيع مواد غذائية بالمنطقة التابعة لجماعة تفتاشت، بنواحي الصويرة، أودى بحياة 15 شخصا أغلبهم من النساء والمسنين، بسبب التدافع والاختناق.

أحداث زاكورة ومعتقلو العطش وتصريحات الزفزافي بتعرضه للاغتصاب… وأحداث جرادة ومعتقلوها… هي تسميات لما سيأتي غدا ومستقبلا؛ في حين تبقى لجان تقصي الحقائق مسكنات لزكام حاد ما إن يتعافى منه الشخص حتى يكاد ينسى أنه كان مصابا به ذات ليلة.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *