في مرحلة مابعد استحقاقات 7 اكتوبر 2016 وإمكانية الخروج من السلطوية

رشيد الجرموني

أولا: في حيثيات الاستحقاقات البرلمانية

كثيرة هي القراءات الصحفية والإعلامية التي أعقبت حدث الاستحقاقات التشريعية ليوم السابع من أكتوبر 2016، والتي حاولت أن تتوقف عند القراءة الرقيمة والعددية لنتائج هذه الاستحقاقات، والتي تبقى مهمة-، لكن الأهم منها هو النظر في مآلات هذا الحدث وتداعياته على النسق السياسي المغربي بل والعربي بشكل أعم. إذ أن تجربة الديمقراطية الناشئة في بلدنا (المغرب) وبقية البلدان العربية، تحتاج إلى مزيد من النضج والتمرس، وإلى قطع أشواط كبيرة ومريرة في الآن نفسه، للوصول إلى مستوى معقول –نسبيا- من الديمقراطية. والسبب في ذلك، هو أن الأنظمة التسلطية والتحكيمة ،والتي تتملك كل الرساميل (السلطة والثروة والمعرفة والقيم) ، لا تزال متحكمة في زمام الأمور كلها ولا زالت تطمع في أن تستمر الأوضاع على ما هي عليه (Statu quo). وقد لا حظنا منذ تولي حكومة العدالة والتنمية لتدبير الشأن العام، والمحاولات تلو المحاولات لإفشال التجربة بكل الوسائل (المشروعة وغير المشروعة). ومثلت مرحلة ما قبل الحملة الانتخابية (مرحلة الاعداد القانوني، تقليص العتبة، شطب المواطنين الذي تم تسجيلهم في سنة 2015 وغيرها من الإجراءات التي تنوء هذه المحاولة على جردها كلها)، مثلت البوادر الأولى، لتقليص حظوظ حزب العدالة والتنمية في الاستحقاقات الانتخابية البرلمانية. ولم يتوقف الأمر، عند هذا الحد، بل تجاوزه إلى سياسة ممنهجة و”لاأخلاقية” بالمعنى الحقوقي، عندما استهدفت الخصوصيات الفردية للعديد من الفاعلين الحركيين والسياسيين (نموذج مولاي عمر بن حماد، والاستاذة فاطمة النجار). وقد كانت الخلفية المضمرة لمهندسي هذه الأحداث، هو تمريغ سمعة الحزب أخلاقيا، وتنفير الفئات الفقيرة والمحافظة منه. ولم تتوقف هذه الوسائل البائدة والغبية،- في آن واحد في تأكيد وجود مخطط رهيب للسلطوية في تحقيق ردة ديمقراطية حقيقية-،ولهذا مثلت مسيرة المهزلة بالدار البيضاء إبان عشية انطلاق الحملة الانتخابية ،وقرب انتهاء ولاية السيد عبد الاله بن كيران، أبشع أحداث سنة2016، بل أبشع أحداث المغرب المعاصر. لأنها أعلنت عن ميلاد حزب جديد ‘حزب المقدمية والشيوخ”، والذي لديه برنامج وحيد وأوحد، محاربة وإضعاف حزب العدالة والتنمية، لفائدة طرف سياسي آخر.

إن مسيرة المهزلة، والتي كان في واجهتها “المقدمين والشيوخ”، ومن ورائهم القياد والعمال والولاة وحزب السلطة المدلل، أكدت أن بعض المسؤولين الكبار في الدولة، لا يقدرون عواقب الأمور، بل إنهم بسلوكهم هذا، بينوا أنهم “كمن يقامر بمصلحة البلد”. ونظرا لأن التحولات العميقة التي مست كل الشرائح الاجتماعية والفئات والطبقات، فإن المسيرة/ المهزلة لم تحقق أهدافها، وانقلب السحر على الساحر. بل أكثر من ذلك، لقد قدموا بصنيعهم هذا أثمن هدية لحزب العدالة والتنمية، لكي يدخل الحملة الانتخابية وهو في موقع قوة، وهو ما كان في مجريات الحملة، وما الاقبال الجماهيري الكثيف وغير المسبوق لحضور المهرجانات التي أطرها الامين العام لحزب العدالة والتنمية، إلا دليل على ما ندعيه. (بلغ عدد الحضور حسب تقديرات غير رسمية أكثر من 300 ألف شخص، بينما الذين تابعوه عبر الوسائط الاجتماعية، وصل إلى أزيد من ميلون). مما جعل المتابعين للحملة، يؤكدون نجاح الحزب في انتزاع أغلبية المقاعد وبعدد مريح، وهو ما حصل بالفعل. هذا على الرغم من التزوير والتهديد واستغلال النفوذ الذي مورس على العديد من المواطنين والمواطنات في عدة مناطق من المملكة (أذكر على سبيل المثال لا الحصر، الحسيمة، وشفشاون ووزان، وهذه المناطق كانت حظوظ حزب العدالة والتنمية، فيها قوية للظفر بمقاعد، لكن الإنزال القوي للمال الحرام، والتهديد الذي طال ساكنة المناطق القروية والتي تتمتهن زراعة القنب الهندي، هو الذي غير النتائج لصالح الحزب المعلوم).

بيد أن السؤال الذي انطلقنا منه، والذي يهمنا الإجابة عنه في هذه المحاولة، هو كيف استطاع حزب العدالة والتنمية، أن يحقق هذا الانجاز؟ ولما نسمي هذا الانجاز ببداية وقوع تصدع في البنية المخزنية، والدخول في مرحلة جديدة في تاريخ النسق السياسي المغربي؟

ثانيا: في بعض عوامل النجاح (المواطنة النشطة)

كثيرة هي العوامل التي أهلت حزب العدالة والتنمية لتحقيق هذا الانجاز المهم والمعتبر في تاريخ الاستحقاقات الانتخابية المغربية، لكننا سنركز على ما يبدو لنا ذو قيمة عميقة. فنحن نعتقد أن أهم شيء استطاع تحقيقه هذا الحزب، هو توفره على مجموعة من الاعضاء والمتعاطفين، وبشكل خاص بعض المواطنين والمواطنات المغربيات، الذين لم ينخرطوا في هذا الحزب، لكنهم يعتبرونه مشروعهم المجتمعي، بل أكثر من ذلك، (أملهم المستقبلي). ولعل وجود هذه الكتلة الحرجة –كما نسيمها في السوسيولوجيا- تؤكد أنها العنصر الحاسم في كل عمليات التغيير والإصلاح الديمقراطي. ولهذا فإن توصيف هذه الكتلة ب”المواطنة النشطة” (انظر، آصف بيات، 2014)، له ما يبرره من الناحية المنهجية والتفسيرية. فماهي مواصفات هذه المواطنة النشطة؟ وكيف يمكنها أن تتغلب على آليات التسلط والسلطوية؟

إن المواطنة النشطة، تعني حضورا واعيا للأفراد والجماعات والهيئات والمنظمات في قلب الحراك المجتمعي، وقدرتهم على تملك الإرادة الجماعية للتغيير مهما كانت الصعاب، التي تطرح في وجههم. وهذه المواطنة لا تستسلم للضغوط مهما كانت، ولا تنطلي عليها الخطابات الديماغوجية و لا تغريها مظاهر التحديث الزائفة التي يتمظهر بها البعض، ولا تؤثر عليها وسائل الاعلام المأجورة (في سابقة في تاريخ المغرب، لم تتعرض حكومة للتشنيع والكذب والافتراء وما إلى ذلك، مثلما تعرضت حكومة عبد الاله ابن كيران). والجذير بالذكر ان من بين مواصفات المواطنة النشطة، هي تلك الرساميل الرمزية والمعرفية التي تتملكها والتي تحسن استخدامها (يمكن الإشارة في هذه السياق، إلى الاستعمال الذكي والخلاق لوسائط التواصل الاجتماعي). ولهذا فالحزب الذي يتوفر على هذه المواطنة النشطة، لا يمكنه إلا أن يحقق النتائج الإيجابية، بل وأكثر من ذلك، يمكن أن يقف في وجه التسلط والسلطوية والتحكم وما إلى ذلك، لان التحكم يمكنه أن يحل حزبا ما أو منظمة ما أو يزور النتائج على هذا الحزب او ذاك، لكنه لا يمكنه أن يوقف إرادة المجتمع، ولا يمكنه أن يستحمر وعي المجتمع ولا ذكاؤه ولا حسه الديمقراطي.

ولعلنا لا نبالغ إذا ما اكدنا أن “المواطنين المسلحين بفن الحضور سوف يزعزعون الحكم التسلطي، وذلك لأن الدولة لا تحكم عادة وهي خارج المجتمع، إنها على العكس من ذلك تحكم عن طريق نسج منطق قوتها –عبر المعايير والقواعد والنظم- في نسيج المجتمع. والمحقق أن محتوى هذه المعايير والنظم ومنطق القوة يمكن أن يزعزع قدرة الدولة على الحكم والتحكم” (آصف بيات، 2014).

اعتبارا لكل ما سبق، فإننا نحاول أن نقرأ نتائج هذه الاستحقاقات بالتركيز على ما قام به المواطن العادي من سلوك ديمقراطي راق، ومن قدرة على معاكسة التوجهات اللاديمقراطية التي أعلنت عنها السلطة في مرحلة ما قبل الاستحقاقات وأثناءها. علاوة على أن المسألة لا تتوقف عند هذا الحد، بل إنها تعكس وجها آخر لمعادلة جد صعبة، وهي أن زعيم حزب العدالة والتنمية الاستاذ عبد الاله ابن كيران، قد استطاع أن ينتزع تعاطف هذه المواطنة النشطة، في زمن –كنا نعتقد أن عهد الزعامات قد ولى إلى غير رجعة-، لكن السلوك السياسي (بل حتى الشخصي) لهذا الزعيم، لفت انتباه كل الشرائح الاجتماعية ( سألت امرأة عجوز في مدينة سلا هل صوت البارحة؟ قالت : نعم. بادرتها بسؤال محرج: لمن صوت؟ قالت “شكون من غير عبد الاله ابن كيران؟).

إن وجود مثل هذا النوع من الزعامات، يعد في النسق السياسي المغربي، كحالة مزعجة ومؤرقة لكل الهيئات والمنظمات والأشخاص الذين لا يريدون الديمقراطية الحقيقة لهذا البلد.

ثالثا: في بعض التحديات التي يجب التفكير فيها من طرف كل الديمقراطيين

عندما قلت بأننا دخلنا مرحلة جديدة في تاريخ المغرب، لا يمكن اعتبار ذلك، مجازفة مجانية ولا حتى الانحياز لهذا الحزب أو ذاك، فالعديد من المتابعين يعرفون أنني لم أعد منتميا لحزب العادلة والتنمية، بل أكثر من ذلك، فأنا وجهت للحزب العديد من الانتقادات والملاحظات –سواء على المستوى الايديولوجي أو حتى على المستوى التدبيري- لكن ذلك لا يمنع من الانتصار لقيم الديمقراطية والنزاهة والشفافية. وبالتالي، فما لاحظته بشكل متواضع وقد أكون على خطأ، هو أن مفاعيل هذه الاستحقاقات والنتائج التي أفرزت عنها، أكدت أننا بتنا أمام مستوى جديد من النقاش، والذي يتطلب من كل الشرفاء والنخب أن ينخرطوا فيه للقطع مع التسلط والسلطوية والتحكم. ومن بين الأمور التي وجب التفكير فيها، هو كيفية إعادة استئناف ورش التأويل الديمقراطي للدستور، في اتجاه يعكس إرادة الأمة والمجتمع. و إلا فإننا سنبقى في الدائرة المغلقة (Cercle vicieux). ويأتي هذا الكلام، من خلال ما لا حظناه من تغول السلطة في تدبير الشأن العام بغير وجه حق، والانحياز لهذا الحزب على ذاك. فلا معنى لدولة تحترم نفسها وتعلن انها نموذج في المنطقة، ولا زال المقدمية والشيوخ يؤثرون على إرادة المواطنين؟ لا معنى لدولة يعلن فيها وزير الداخلية في بلاغ نتائج الانتخابات عن مفهوم التعليمات؟ أين هي القوانين والمساطر والأعراف الديمقراطية؟ أين هو القانون فوق الجميع؟

لكل ذلك وغيره، وجب على الصف الديمقراطي أن يعيد النظر في الصلاحيات الممنوحة لبعض ممثلي السلطة، والذين لا زالوا يشتغلون بمنطق التعليميات اللامرئية وغير المعلنة وكأنها تشكل روح القانون.

أما ثاني أمر وجب الالتفات إليه، هو “تنشئة الدولة، Socialisation of the State”، وهي كما قال بذلك (أصف بيات)، نوع من الحوكمة المعكوسة”. فعوض التوجه للأسفل، وجب الآن التوجه للأعلى. وكما حكت لي سيدة فاضلة (قاضية سابقة بمحكمة الاستئناف) (وجب بدء التنظيف من الأعلى وليس من الأسفل). إنها حكمة بالغة، تلك التي خرجت من فم تلك السيدة الفاضلة. وهي ما عين ما قصده (بيات) عندما أطلق مفهوم “الحوكمة المعكوسة”.

وتبقى العديد من التحديات التي وجب على حزب العدالة والتنمية أن يعالجها بشكل خاص في هذه المرحلة، وهي ثلاثة مسائل على قدر كبير من الأهمية: أولها: جدلية التدين والحقوق، بمعنى أن السعي نحو تديين الناس لا يعني إطلاقا هضم حقوقهم بالانتصار إلى نوع من الليبرالية الإسلاموية والتي تخفي القيم الاجتماعية في الأديان وتعلي فقط من قيم الواجب. ولعل أخطر ما يهدد تجربة العدالة والتنمية، هو التماهي مع هذا الخطاب، سواء بوعي أو بدونه. فتحقيق دولة الرفاه الاجتماعي رهين بتحقيق المعادلة الصعبة الواجبات والحقوق. ثاني هذه التحديات والتي لا زالت تثير العديد من النقاشات، داخل الحزب وخارجه ، وهي جدلية إشكالية الحريات الفردية. فكون الحزب يتبنى المرجعية الإسلامية وهي على كل حال مرجعية الدولة، فهذا لا يسمح على الإطلاق بانتهاك حرية المعتقد بما يعنيه من حرية الممارسات اليومية والطقوسية والفنية والمعتقدية والممارساتية، أما ثالث مدخل، -العمل على التوزيع العادل للثروات، بالشكل الذي يحقق تنمية حقيقية وليست مغشوشة. فالعديد من المشاريع الكبرى التي نسمع عنها، لا تخدم في شيء سوى نخبة من المتنفذين في الدولة ومربع السلطة. ولهذا ينبغي التفكير في إعادة تدوير الثروة بذكاء وبحس تنموي عال. لأن المغاربة اليوم إذا ما تحملوا جزء من القرارات الصعبة التي اتخذتها حكومة عبد الإله ابن كيران في المرحلة السابقة، فإنهم لن يستسيغوا أن يصبحوا هم كبش الفداء.

أتمنى أن لهذه التجربة كل النجاح، فهي تجربة متميزة في العالم العربي، وأن يحقق هذا الحزب ومعه كل الديمقراطيين والأطراف الحزبية الشريفة، ما يصبو إليه المغاربة من عدالة اجتماعية وكرامة.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *