في محاكمة نشطاء حراك الريف… ما لهم وما عليهم

عبد السلام لعروسيعبد السلام لعروسي*

للإلمام بالموضوع عامة، أكيد أن ذلك يستوجب التطرق إلى ذكر أسباب اجتماعية سوسيو اقتصادية وأخرى تاريخية، لكننا سنقتصر هنا على ذكر نتائج سلبية سببها نواقص العدالة الاجتماعية وتدني مستوى تدبيرها.

كما هو الوضع في غالبية مناطق البلاد، يرصد جل المتابعين الباحثين على مختلف تخصصاتهم أن السياسة المتبعة بخصوص خلق عدالة اجتماعية داخل المجتمع تعاني أعطابا في التدبير وعدم مواكبة مسلّمة معطيات التحولات المجتمعية متعددة الوثائر، سواء على المستوى الديموغرافي وارتباطه بالتعليم، وتطور الأبعاد الاقتصادية، أو على مستوى القيم وتطور فكرة استقلالية الرأي والوعي الثقافي، أو على مستوى إدراك معنى الحق المشروع وسبل المطالبة به لأجل العيش الكريم. وقد سبق أن تطرقنا لهذا الموضوع بتفصيل في مقال سابق لنا.

1. شرارات الحراك الأولى

في ظل أعطاب التدبير هذه، فقد توالت سلبيات كثيرة كان وما زال لها تأثير على سلوكيات فئة الشباب ومدى قبولهم من عدم قبولهم للوضع الاجتماعي الآني. ولقد كان في حادثة الشاب محسن فكري في 28 من أكتوبر 2016 والطريقة التي فارق بها الحياة، حيث تعرض لعملية طحن، بكل ما تحمله الكلمة من معنى، بشاحنة لجمع النفايات، كان في ذلك أكثر الدوافع المباشرة التي خرج على إثرها الكثيرون من الشباب إلى الشارع، ومنه الإصرار على النداء بتحقيق حزمة من المطالب، التي يرون فيها أدنى شروط احتياجاتهم الأساسية والعيش الكريم، بل أكثر من ذلك ذهبت المطالب إلى متابعة ومحاسبة المسؤولين عن الحادث المؤلم ليس لساكنة الريف فحسب، ولكن كانت للحادث صدمة أصابت كل شرائح المجتمع وفئات من جمعيات مدنية وحقوقية. وقد تم إخماد الحراك بتدخل قوي لرجال الأمن، تم على إثره توقيف الكثيرين من النشطاء، أبرزهم ناصر الزفزافي، الذي تم اعتقاله في 29 من شهر مايو 2016.

2. إحراج المسؤول وازدواجية المواقف

وسط غضب الشارع العارم في مدينة الشاب المتوفي محسن فكري، وتعالي الأصوات بشعارات ترمي إلى رفض الظلم والاستبداد والفساد، كلف صاحب الجلالة الملك محمد السادس وزير الداخلية آنذاك محمد حصاد بحمل رسالة تعزية إلى أسرة الفقيد. وكانت فرصة أمام الحكومة لأن تقدم إلى أسرة الشاب محسن وإلى ساكنة مدينة الحسيمة وعودا بمتابعة المسؤولين على أبعد مدى في إطار القانون، وكان كلام الوزير حصاد يصب كله في إطار أوامر وتعليمات جلالة الملك السامية، الشيء الذي جعل الكثير يتساءل ما إذا كان هذا الوزير أو غيره من السؤولين في مؤسسات الدولة أهل للمناصب والمهمات التي أسندت إليهم، حيث إنه كلما وقع حادث أو طرأ طارئ إلا وواجهوا الموقف بتعليمات صاحب الجلالة، وفي ذلك دلالة على أنهم لا برامج لهم ولا رؤى من شأنها احتواء المواقف بالمهنية والعقلنة المطلوبة، اللهم إذا اضطر جلالته للتدخل قصد ضبط الأمور بنفسه. ربما هي تصاريح زادت من استياء الغاضبين، وذلك بالرغم من قيام الدولة بإقالة بعض المسؤولين من وزارة الداخلية وقطاع الصيد البحري ووزارة الصحة.

توسعت دائرة الاحتجاجات في جل مناطق الحسيمة وامتلأت الشوارع بالغاضبين، حيث وقعت صِدامات مع رجال الأمن، مما أدى إلى وقوع إصابات في صفوف الجانبين، ورصد رجال الأمن بعض الأفعال التخريبية في الممتلكات العامة والخاصة، ليستفحل الوضع من سوء إلى أسوأ، يلي ذلك خطأ فادح وهفوة تدبيرية من طرف الحكومة، حيث سارعت هذه الأخيرة إلى إدانة الحراك واعتبرته ذا نزعة انفصالية محضة واتهمت النشطاء بالمس بالمقدسات وبتلقي تمويل من الخارج وخدمة أجندات خارجية هدفها زعزعة استقرار البلاد.

اتهام سرعان ما استنكرته الساكنة وفئات واسعة من المجتمع على مختلف توجهاتها، شملت أحزابا من المعارضة وجمعيات حقوقية ومدنية. استنكار وشجب العامة دفع بالحكومة إلى التراجع عن موقفها لتؤكد على أهمية التعامل مع الاحتجاجات الاجتماعية بما يحقق متطلبات الساكنة والتنمية والعيش الكريم. ورأى جل المتتبعين أن موقفي الحكومة على شكل بيانين رسميين متباينين خلال وقت وجيز جدا (يوم واحد فقط)، هو دلالة جديدة على أن المسؤولون في الحكومة ضلوا الطريق في شأن احتواء الأوضاع والتعامل السليم مع الحراك والإنصات لمطالب النشطاء.

3. عجز الحكومة عن التدبير المعقلن للأزمة

في ظل ارتباك الحكومة وتباين مواقفها من اتهامات وتصريحات استفزازية وتهديدات أمنية والتعاطي غير المسؤول مع تطور الأحداث من جهة، ومن جهة أخرى تغيير الموقف السريع وإعلان تفهم مطالب الغاضبين وحقهم المشروع في الاحتجاج الاجتماعي، وما تلى ذلك من سخط المحتجين وفقدان ثقتهم في المسؤولين، قامت الحكومة بإرسال لجنة مكونة من بعض الوزراء كمحاولة لفتح أبواب الحوار مباشرة مع أصحاب المطالب، هدفها احتواء الوضع من جديد والسعي إلى التهدئة، لكن كل ذلك ما كان له إلا أن يؤكد الارتباك والتيهان الذي يركب المسؤولين على مختلف مهماتهم، حيث اتُّخذ قرار إرسال لجنة الوزراء دون تحديد مسبق لجوانب المبادرة وتحديد واضح لأهدافها أو غايتها المنشودة، مع غياب لأي برنامج لسير النقاش وتحديد معايير اختيار معقلن لعناصر الطرف الآخر المراد التحاور معهم. تلك التدابير غير المحكمة الخالية تماما من أي مقاربات علمية بخصوص شأن التواصل والمجادلة، كانت سببا رئيسيا في فشل المبادرة وجعلها محاولة تفتقد لكل بوادر الإقناع أو تحديد نقاط مجدية للاستجابة لمطالب الغاضبين.

الاعتقالات الواسعة واقتحام بيوت المتظاهرين من طرف رجال الأمن، كانت قد شكلت كذلك سلبيات مباشرة في التعاطي الحكومي مع تطورات الحراك، وزادت الأوضاع تأزما. أما أكبر إهمال وتقصير تعرضت لهما ساكنة الحسيمة، هو فشل أو تأجيل أو حتى توقف كثير من المشاريع التي كانت مبرمجة لتأهيل المنطقة اقتصاديا واجتماعيا.

ولقد أدركت الدولة هذا القصور وأقرّت به، مما نتج عنه ما بات يعرف بالزلزال السياسي، حيث أقال صاحب الجلالة على إثر ذلك 4 وزراء وعاقب 14 مسؤولا على مختلف مهماتهم والقطاعات التي ينتمون إليها، وذلك بعد توصل جلالته بتقرير من رئاسة المجلس الأعلى للحسابات تبعا لتحقيقات في ملف برنامج الحسيمة منارة المتوسط، وبعد استشارة رئيس الحكومة استنادا إلى ما ينص عليه الدستور.

كل المعطيات سالف ذكرها، كانت الدافع المباشر لإعلان ساكنة إقليم الحسيمة رفضها للحوار مع الحكومة وسخطها الصاخب عليها، وإعلان تشبثها مقابل ذلك بمطلب الحوار مع عاهل المملكة أو وفد رسمي تلزم المفاوضاتُ معه الملكَ بالصفة والوظيفة، ولا يكون للسلطات العمومية إلا وظيفة تنفيذ ما قد يتم الاتفاق عليه.

4. خصاص ثقافة الاحتجاج والمطالبة بالحق المشروع

سبق وأن أوضح مصطفى الرميد، وزير الدولة المكلف بحقوق الإنسان في حكومة العثماني، أمام مجلس النواب، أن حق التظاهر السلمي “ينبغي أن يمارس في إطار القانون الذي يفرض التصريح بتنظيم أي مظاهرة في الطريق العمومي للسلطات المختصة” و”في حالة عدم القيام بذلك، فإن للسلطات حق التدخل لمنع التظاهر في الطريق العمومي طبقا للقانون”، وأكد أن “أي تدخل للسلطات العمومية لفض التظاهر، ينبغي أن يلتزم بثلاثة مبادئ، وهي المشروعية والتناسبية والمسؤولية”، موضحا “بالنسبة للمبدأ الأول، فيعني أنه ينبغي أن يكون للتدخل الأمني مبررات قانونية، كأن يكون التظاهر غير مصرح به، أو أن يكون مخلا بالأمن العمومي، أو أنه مسلح بمدلول ما ورد في تعريفه”.

هذا ما نص عليه الدستور وما هو معمول به قانونيا، لكن ما هي السبل والآليات المعمول بها لترجمة هذه النصوص إلى تعاريف يعيها المواطن في الشارع؟ ما مفهوم التظاهر في حد ذاته عند غاضبي الشارع في مجتمعنا؟ إجابات يظل الجواب عنها محجوبا، ما دامت الأحزاب أندية منغلقة على نفسها وما دامت النقابات ومؤسسات المجتمع المدني تفتقد لجسر التواصل مع مختلف شرائح المجتمع.

من المفروض أن تتحمل هذه الأحزاب والنقابات ومؤسسات المجتمع المدني مسؤوليتها وتتولى تحديد برامج التوعية بخصوص الحقوق والواجبات عند ممارسة التظاهر. وفي ظل الغياب شبه التام لهذا النوع من البرامج، نجد أن ما زال هناك الكثير لديهم فهم خاطئ ومغلوط عن كيفية المطالبة بالحقوق عن طريق التظاهر. فهناك فئة من المجتمع لا يستهان بها، ما زالت ترى في التظاهر صراعا ضد السلطات والنظام، أو هناك من يرى فيه عنوانا للتخريب وإثارة الشغب. وما دامت التصور هكذا، فلا غرابة أن تقع الصدامات بين رجال الأمن والشباب الغاضب، مما يسبب أضرارا مادية وأحيانا بشرية.

نستخلص من ذلك أن ثقافة التظاهر ما زالت محدودة، وما زلنا نفتقر لسبل تحديد الأهداف وكيفية المطالبة بها بطرق سلمية وأن جهات ومؤسسات التوعية المنغلقة على نفسها جعلت الحوار والتواصل مع الشارع بعيد المنال.

5. هفوات وخروقات يعاقب عليها القانون

كل من تتبع تطورات الحراك في منطقة مدينة الحسيمة ونواحيها، لا بد وأن تواترت على مسامعه تضارب أحداث تصف الخروقات التي قد تكون ارتكبت، سواء من طرف المتظاهرين أو حتى من طرف رجال الأمن. تسارع وتيرة الأخبار على مختلف مصادرها، الإعلام الرسمي، شهود عيان أو مصادر من شبكات التواصل الاجتماعي، عزز من تضارب المعلومة وتناقضها في كثير من الأحيان. لكن بات من الواضح أن الصدام بين قوات الأمن والمتظاهرين وصل في أكثر من مناسبة إلى ذروته حيث تم إضرام النيران في بعض المباني العمومية وكذا الخاصة، وحصل سقوط إصابات في صفوف الجانبين، بعضها تسبب في إعاقات دائمة للضحايا، كما قام بعض الشباب بحرق آليات وسيارات الأمن والإسعاف، مما أدى إلى فقدان الحراك طابعه السلمي، السبب الرئيسي في تقديرنا هو الغياب التام لثقافة الاحتجاج من طرف المتظاهرين، الذين يرون في المظاهرة مواجهة مباشرة بينهم وبين القوات الأمنية، عوض أن يروا فيها فعلا حضاريا تعلو به أصواتهم بهدف تحقيق غاية كحق لهم.

هذا من ناحية، من ناحية أخرى لا يجب هنا استثناء أعطاب التدبير في احتواء الأوضاع بالكفاءة اللازمة من طرف المسؤولين والأحزاب والنقابات والجمعيات المدنية والحقوقية، كسبب إضافي مهم ساهم في تأزم الأوضاع.

نتج عن كل هذا إصدار أحكام في حق مرتكبي الخروقات حسب منظور القضاء بعقوبات بالسجن تراوحت مدتها ما بين 20 سنة وسنة واحدة، منها أحكام مصحوبة بغرامة مالية.

والخاسر هنا هم المتظاهرون الذين قاموا بخروقات ووقعوا في هفوات قضائية، سواء كان ذلك عن قصد أو غير قصد من جهة، ومن جهة أخرى الحكومة والمسؤولون أنفسهم الذين عجزوا عن التدبير المعقلن والنجاح في إيجاد الحل السليم لاحتواء الوضع ومنه التواصل المباشر مع الغاضبين في الشارع.

6. “هيبة الدولة” وتعاطف الرأي العام

هناك الكثير ممّن يربط التدخل العنيف والممارسات المبالغ فيها من طرف رجال الأمن تجاه المتظاهرين في منطقة الحسيمة بمسألة حماية “هيبة الدولة”، في محاولة لتبرير التجاوزات من طرف بعض رجال الأمن حين كانت تحاول فض التجمعات هنا وهناك. وذلك تصور خاطئ لمفهوم “هيبة الدولة” معنى ومضمونا، حيث إن المفهوم الحقيقي لمصطلح “هيبة الدولة” من الناحية الأمنية الاجتماعية يصب في سياق فرض احترام مؤسسات الدولة واحترام القانون. أما إذا ما أهملت المبادئ الديمقراطية وأصبحت لغة الحوار بين السلطة والمواطن هي العصا الغليظة، فإن مفهوم “هيبة الدولة” يأخذ مسارا آخر لينحصر في معنى فرض الخوف على المواطن لمنعه من ممارسة حقه المشروع في التظاهر الذي كفله له الدستور.

للدولة حقها في حماية هيبتها، لكن ذلك وجب على أساس المفهوم الصائب لكلمة “الهيبة”. مفهوم الهيبة ليس هو ممارسة البطش وزرع الخوف في نفوس الأفراد كي يعزف هؤلاء من تلقاء أنفسهم على المطالبة بحق من حقوقهم المشروعة، وإنما مفهومها الحقيقي يتمثل في فرض احترام مؤسسات الدولة واحترام القانون، وذلك باحترامها نفسها للقانون والعمل على توفير التوعية والتأهيل للمواطن ومساعدته على الالتزام بما يفرضه القانون. ولربط ذلك بظروف محاكمة نشطاء الريف، التي وصفت بالقاسية والمبالغ فيها، فقد حظي المتهمون بتعاطف واسع من قبل المواطنين وكثير من المتتبعين داخل وخارج الوطن، ولم يروا في ذلك أي تجسيد لهيبة الدولة باعتبار طريقة اعتقال المتهمين، وتوقيت الاعتقالات (العيد الأسود) والحديث عن ممارسات التعذيب في حق بعض الموقوفين خلال مدة التحقيق تعتبر كلها خروقات قد تصب أكثر في إطار فرض التخويف، أكثر منه سعيا إلى فرض احترام القانون واحترام مؤسسات الدولة.

7. الأمل في صدور قرار إعفاء من طرف جلالة الملك

إذا ما اعتبرنا الظروف المذكورة أعلاه، التي أحاطت بملف نشطاء الريف ومحاكمتهم، معتبرين بذلك طريقة وفاة الشاب محسن فكري كشرارة أولى بمثابة قطرة أفاضت الكأس، وما ترتب عن ذلك من توسيع دائرة الاحتجاج والمطالب، إضافة إلى ذلك الإهمال الذي تعرض له الغاضبون من طرف الأحزاب والنقابات والجمعيات الحقوقية، ومنه كسر جسور التواصل لأجل التوعية والتأطير، وإذا ما نظرنا إلى الارتباك الذي ركب الحكومة في التعامل مع تطورات الاحتجاجات وعجزها على إيجاد الطريق السليم لاحتواء الوضع، بل أكثر من ذلك فقد واجهت الأوضاع بإصدار بيانات وتصاريح استفزازية زادت من تأزم الأحداث عوض تهدئتها، فإننا نجد على الأقل طرفا آخر يتحمل قسطا من الخروقات والمخالفات وليس النشطاء المتهمون وحدهم.

بل أبعد من ذلك، فإن جل المتتبعين تقريبا متفقون على أن ملف نشطاء الريف لا يمكن أن يبقى في صورته الحالية لأن ذلك يضر بالمغرب داخليا ودوليا. وقد ذكر بعض الفاعلين الحقوقيين أن الأمل الآن في ملك البلاد بعد أن صدرت الأحكام.

ويرى الكثيرون، باقتناع تام، أن معتقلي حراك الريف بريؤون من التهم المنسوبة إليهم، وأنه لا أساس لتهمة “تدبير مؤامرة ضد السلامة الداخلية للدولة، وإنما هؤلاء خرجوا إلى الشارع ونادوا مطالبين بالخبز وبظروف تعليم أحسن وبناء المستشفيات كمعطيات أساسية لضمان العيش الكريم.

*باحث اقتصادي خبير في الهندسة الميكانيكية

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *