عودة للخطاب الملكي… القداسة تتناقض مع ربط المسؤولية بالمحاسبة

يوسف بوستة

إذا كان الفساد يخترق السلطة التنفيدية والسلطة القضائية والإدارية، من مسؤولين وولاة وعمال ومدراء وقضاة ومنتخبين حسب منطوق الخطاب الملكي، لدرجة التطبيع المزدوج للدولة المجتمع مع الفساد واختراقه لمناحي الحياة العامة، وأن الجميع ليس معصوما من بؤرة الفساد (لأننا لسنا من الأنبياء والملائكة)، وبما أن الملك هو رئيس المجلس الأعلى للقضاء ورئيس المجلس الوزاري وهو الذي يعين الولاة والعمال والوزراء والمدراء العامون وغيرهم من كبار المسؤولين والشخصيات التي تتأمر بأمره، فإن المسؤولية الأولى تتحدد في رئيس الدولة أي الملك بمقتضى الدستور، وإذا لم يتم ترجمة منطوق الخطاب على أرض الواقع واحترام وتطبيق القانون والعدل والانصاف، فانه سيبقى حبرا على ورق ومجرد تكرار للكلام، ويكشف بالملموس لمن يحتاج إلى دليل بأن العطب يوجد في طبيعة الحكم والسلطة وليس في القوانين والمراسيم ومدى القدرة على تطبيقها!

في انتظار ذلك دعونا نتصور أن عندنا حكومة وطنية ديمقراطية حقيقية منبثقة عن صناديق الاقتراع، ولها وحدها المسؤولية في وضع الاختيارات الكبرى للسياسات العمومية الداخلية والخارجية، ومسؤولة عن شرعيتها وعن تنفيذها أمام البرلمان، وأن لهذه الحكومة كامل الصلاحية في مراقبة جميع المؤسسات العمومية المالية والاقتصادية والاجتماعية وفق استراتيجية موحدة، ولها صلاحية مراقبة جميع الصناديق المالية والمؤسسات والأجهزة الأمنية والعسكرية، ونتمتع بسلطة قضائية مستقلة تسهر على ضمان الحق والمساواة واحقاق العدل والإنصاف واقرار الحقوق والحريات، واننا نعيش في اجواء انتخابات حرة ونزيهة تحظى بالشرعية الديمقراطية والشرعية الشعبية، وان التغيير الديمقراطي ممكن التحقق عبر صناديق الاقتراع، وان الشعب مصدر للسلطة، وبه ومن خلاله يتم التداول السلمي للسلطة، وان الجميع سواسية امام القانون، وان القانون يعلوا ولا يعلى عليه، وأن الحرية والكرامة أساس الديمقراطية والمساواة الفعلية بين جميع المواطنين بغض النظر عن الجنس واللون والدين والثقافة… آنذاك سيكون للخطاب معنى ودلالة استشرافية وسيكون اكثر تطلعا نحو المستقبل، وليس صورة متكررة لوصف القتامة والبؤس المستشري في الدولة والمجتمع!

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *