حراك الريف من مسيرة 8 يوليوز 2017 إلى مسيرة 8 يوليوز2018

أحمد الدغرنيأحمد الدغرني

هل من الصدفة أن تنظم مسيرة 8 يوليوز 2018 في ذكرى مرور سنة كاملة على مسيرة 8 يوليوز 2017 بالدار البيضاء؟ في نفس الموعد ونفس المكان؟ ونفس الأشخاص؟

وهما مسيرتان تقتضيان الانتباه والدراسة السياسية والاجتماعية، ونخصص هذا النص لنقول بأن السلطات المخزنية لم تمنع المسيرتين معا، وكان الهدف من عدم المنع هو اتخاذ هاتين المسيرتين كحجة على أن الحكم المخزني لا يمنع الاحتجاج، كوسيلة للرد على الرأي العام العالمي ونشطاء حقوق الإنسان في الخارج، وهنا يتضح الهدف من ترخيص المسيرتين في الدار البيضاء، قصد التغطية على المنع الشامل للاحتجاج في الريف وعدة مناطق بالمغرب مثل وجدة وطنجة ومراكش وجرادة، وكل مناطق الوسط والشمال والصحراء.

وقد حدثت مسيرة 8 يوليوز 2017 في بداية محاكمة الريفيين بالدار البيضاء في حين حدثت مسيرة 8 يوليوز 2018 في نهاية تلك المحاكمة، بعد انقطاع دام لمدة سنة كاملة، وهنا لا بد من الإشارة إلى أن الإسلاميين والسلفيين بما في ذلك جماعة العدل والإحسان لم يعودوا يقررون الاحتجاج في الشوارع منذ سنة 2011 ويقرون مهادنة سياسية تتجلى في كونهم لم يقرروا أي مسيرة يقودها شيوخهم منذ وفاة عبد السلام، ومنذ صدور العفو على الذين حكموا بالسجن بسبب تهم الإرهاب، ويخرجون فقط عندما تتقرر المسيرة بالرباط، دون غيره، وعندما يتعلق موضوع المسيرة بالشرق الأوسط مثل فلسطين…

ولم يقرروا منذ سنة 2011 أي خروج الى الشوارع للاحتجاج حول قضية داخلية، سوى بالتبعية لأطراف أخرى، أو عندما يشارك الأحزاب المخزنية الكبيرة في ما يسمونه بالمسيرات الوطنية، ولذلك فإن مقاطعة المسيرات هي مهادنة ملموسة مع حزب العدالة والتنمية وحلفائه إن لم نقل هي مهادنة سياسية وراءها تفاوض ومصالح يمكن دراستها من الواقع الملموس..

ولذلك فإن تعليل غياب السلفيين والعدل الإحسان عن المسيرتين لم يكن مبنيا على ما سمي بمحاولة ركوب الأحزاب والنقابات اليسارية الصغيرة على نضال حراك الريف، وإنما هو غياب سياسي منهجي، لأن المسيرة ليست نشاطا حزبيا داخليا لمجموعات اليسار، بل هي نشاط عمومي لم يكن بوسع أي طرف أن يمنع الإسلاميين من الحضور بالشوارع

وفتح الترخيص لمسيرات الرباط يهدف إلى تكريس سياسة تركيز النضال في أمكنة المخزن المركزي لسهولة التحكم فيه، وإبعاد الهوامش عن المشاركة السياسية في التعبير عن الاحتجاج لكي يبقى التظاهر والوقفات في يد النخب المركزية التي تدربت على الركوب على محنة أغلبية المناطق البعيدة والجهات وإلا فلماذا لا تقرر أحزاب اليسار والإسلاميين تنظيم مسيرة وطنية بالحسيمة مثلا؟ أو تطوان؟ أو حتى مراكش؟

لاشك أن بعض اليساريين المنظمين في دكاكينهم السياسية والنقابية الصغيرة استفادوا ماديا من حركة 20 فبرير 2011 وغنموا بها المناصب والامتيازات تجلت خاصة في هياكل المجلس الوطني لحقوق الإنسان ومن غنائم الانتخابات الجماعية والبرلمانية التي جرت بعد سنة 2011 وينوون استغلال تضامن الشعب مع حراك الريف الذي لم يستطيعوا توقيفه، ولذلك يسعون بجهد كبير إلى ربح الوساطة مع الريفيين، وتشويه مطالبهم…ولم يثبت أن الريفيين قبلوا ركوب اليساريين والإسلاميين وغيرهم على الحراك.

أما الأمازيغ فهم محرومون من حق التنظيم السياسي، والنقابي بتطواطئ الكثيرين ضدهم، ويعتبرون من صميم الحراك، وليسوا مجرد متضامنين معه، ويحملون مع الريفيين نفس الرموز، واللغة والثقافة والهوية….

وهنا لابد من الاهتمام بالاعتقالات الجديدة في الريف بعد صدور أحكام الدار البيضاء، وهي موضوع جديد يشمل حوالي ثلاثين متهما بتهم جنحية وجنائية، وهو موضوع جديد يعتبر من نتائج أحكام الدار البيضاء، التي كان الكثيرون يظنون أنها تنهي مشكلة الريف، ونذكًر هنا أن حراك الريف من الناحية الاجتماعية يتكون من ثلاث مكونات، الأولى منها هي ريف فئة من الشعب لها هدف العيش والحياة العادية، وتتحرك من أجل هذه الحياة البسيطة التي أصبحت مهددةً، وخاصة بانقطاع دعم المهاجرين لهذه الفئة بسبب الخوف من الاعتقال، والثانية تتكون من جيل مسيس يتجاوز مطالب الحياة العادية إلى مطالب سياسية وحقوقية وهو الجناح السياسي المعتدل الذي يمثله القادة الشباب الطموحين مثل ناصر الزفزافي وغيره، وهم فئة أثبتت أن لها تمثيلية عميقة للشعب في الريف، وزعامات معترف بها لابد من التفاوض معها، وفئة ثالثة. تطمح إلى بناء مشروع سياسي جذري في الريف يعتمد على مشروع استرجاع نظام حكم الريف الذي بناه محمد بن عبد الكريم الخطابي، وهي أيضا لن تنتهي إلا بحلول سياسية جديدة، وليس بأحكام القضاء، وتدخلات قوات المخزن بالعنف والمنع والخطر المستقبلي هو تحطيم الفئتين الأولى والثانية بالأحكام القاسية، لينتشر فيها اليأس وتنضم تحت الضرورة الى الفئة الثالثة.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *