تقرير… قصة “حراك جرادة” من الفقر والمرض وعدم التزام الحكومة بوعودها إلى فقدان الأمل في “ساندريات” الموت

معلومات عن إقليم جرادة

يقع إقليم جرادة في شرق المغرب و تبعد المدينة عن وجدة بحوالي 63 كلم يبلغ تعداد سكانه حوالي 108 آلاف نسمة حسب إحصاء 2014 منها 43490 تقطن بالمدينة تنتشر على مساحة 350 كلم2 و يصل ارتفاعها حوالي 268 متر عن سطح البحر يغلب عليها الطابع الجبلي حيث البرودة شتاء و الحرارة صيف.

اقتصاد الإقليم

تعتمد جرادة في اقتصادها على استخراج الفحم الحجري” الشاربون” بعد اكتشافه من طرف المستعمر سنة 1927 و هو نوع من الأنتراسيت و يعد من أجود أنواع الفحم الحجري في العالم حيث استطاعت المناجم تشغيل عدد مهم من ساكنة الإقليم بل من خارج الإقليم أيضا لكن قرار الحكومة المغربية إغلاق شركة مفاحم المغرب سنة 1998 بعد اتفاقها مع النقابات بسبب مبرراتها المتمثلة في ارتفاع تكلفة الإنتاج أدى إلى تشريد آلاف العمال و إعدام فرص الشغل بالإقليم بسبب غياب بدائل اقتصادية بسبب الطبيعة الجغرافية للإقليم و عدم انتظام التساقطات المطرية و انعدام بنية تحتية صناعية قادرة على احتواء آلاف العمال المشردين الذين انضاف إليهم حملة الشواهد و حملة السواعد من الشباب.

وعود مخلوفة أدت لأنشطة عشوائية

بعد قرار الحكومة تنفيذ قرار الإغلاق لشركة مفاحم المغرب التزمت بتنفيذ مجموعة من الوعود و المتمثلة في توفير بدائل اقتصادية للإقليم لكن تلك الوعود لم تنفذ مما أدخل الساكنة في براثن البطالة و في المقابل قامت بمنح رخص الاستغلال لمجموعة من المحضوضين و اضطرت معه الساكنة للاستغلال العشوائي لآبار الفحم أو ما يصطلح عليه بالساندرية أو الحاسي و هي آبار لا يتجاوز قطرها المتر أو أقل و بعمق يبدأ من 50 متر إلى أزيد من 100 متر و بها أنفاق أفقية تصل لعشرات الأمتار حيث ينزل إليها أكثر من ثلاثة أشخاص دفعة واحدة و يقومون بالحفر في أنفاق ضيقة تصعب معها الحركة مما يجعلهم عرضة لانهيارات الأنفاق أو تدفق المياه الجوفية من إحدى المنابع و قد تم تسجيل أزيد من 44 حالة وفاة داخل الساندريات منذ انطلاق الاستغلال العشوائي بعد إغلاق شركة مفاحم المغرب كان آخرها الشهيدين الحسين و جدوان اللذان كانا سببا في تأجيج حراك جرادة.

جرادة و البيئة

الاستغلال المفرط لشركة مفاحم المغرب للفحم الحجري أدى إلى تراكم المخلفات السامة على اعتبار أن مقر الشركة يوجد بالمدينة حيث حولها لركام من الرماد الأسود منتشر بعدة مناطق و أبرزها “الرومبلي” و هو جبل من المخلفات حين يراه كل وافد على المدينة يعتقد أنه جبل طبيعي و قد تعهدت الحكومة عند إغلاقها للشركة بإزالتها لكنها لم تفي بوعودها و ظلت المدينة تحث رحمة تلك المخلفات السامة تسبب مزيدا من أمراض التنفس للساكنة.

السيليكوز مرض يأكل رئة ساكنة جرادة

يؤدي الاشتغال بمناجم الفحم الحجري لإصابة العمال بمرض السليكوز و هو مرض يصيب الرئة بسبب استنشاق جزيئات غبار السيليس البلورية الحرة صغيرة الحجم ( أقل من 5 ميكرومتر) و التي تصل إلى الحويصلات الهوائية و تبقى محجوزة داخل النسيج الرئوي. و قد عانى عمال شركة مناجم المغرب من هذا المرض الفتاك لسنوات طويلة في غياب مستشفيات قادرة على احتواء الأعداد الكبيرة من المصابين الذي يتجاوز 1700 مصاب مما دفعهم لخوض مجموعة من المعارك النضالية نتج عنها بناء المشتشفى الإقليمي لجرادة منذ ثلاث سنوات من الآن و الذي خصص جناح منه لمرضى السليكوز لكن فيما بعد سيتم إقحام النساء المصابات بأمراض التنفس في نفس الجناح.

جرادة مشاريع معطلة و بنية تحتية مهترئة

و أنت تتجول في مدينة جرادة يلفت انتباهك مجموعة من البنايات المهجورة و حين تسأل عن طبيعتها يخبرك ساكنة المدينة بأنها مرافق تم بناءها لكنها ظلت مغلقة سواء من تم الانتهاء من أشغالها أو من تم التخلي عنها دون إكمالها حيث تجد مسبح بلدي مغلق و مجزرة بلدية مغلقة و محطة طرقية مغلقة و حي صناعي مهجور و غيرها من المرافق أما البنية التحتية فتوحي إليك أنك تتجول في قرية من قرى المغرب العميق و بنظرتك للمباني في أغلب الأحياء فهي توحي بالعشوائية و الفقر حيث يغلب عليها الطابع البدوي و غياب الطوابق العلوية في أغلب البنايات.

جرادة معسكرة

و أنت تهم بدخول مدينة جرادة عندما تكون قادما من وجدة تجد مخيم مقابل للمستشفى الإقليمي به عشرات إن لم نقل المئات من الخيام و طوابير من الشاحنات و السيارات تخص رجال الدرك الحربي فيتخيل لك أنك داخل لساحة معركة و كلما تقدمت لوسط المدينة إلا و وجدت طوابير من السيارات في عدة أحياء خصوصا في بعض المناطق التي تعرف تجمعات للمحتجين أو ما يطلق عليها المحتجين بالنقط و داخل أسوار مقر شركة مفاحم المغرب تنتشر أيضا الخيام و السيارات و في بعض القاعات العمومية هذا إضافة للسيارات التي تتجول في المدينة و حافلات الأمن سواء الخاصة بالذكور أو الإناث.

انطلاق الحراك

خرج سكان مدينة جرادة للاحتجاج على غلاء فواتير الماء و الكهرباء لكن تلك الاحتجاجات سرعان ما ستتطور بسبب وفاة شهيدين من شباب المدينة بإحدى الساندريات حيث كانوا بصدد الحفر أفقيا حين باغتهم تدفق المياه التي كانت مجتمعة بساندرية أخرى قريبة منهم حيث بمجرد ولوجهم لها غمرتهم المياه ليرتقوا شهداء و بسبب تأخر السلطات في الاستجابة لنداء الساكنة لإغاثة الشهيدين و عند قدوم رجال الوقاية المدنية لم يستطيعوا فعل شيء مما جعل بعض الشباب يتطوع لانتشال الجثتين و هو الأمر الذي أجج الوضع خصوصا عند محاولة السلطات دفن الشهيدين في ظروف غير طبيعية ما دفع الساكنة لمحاصرة المستشفى و منع السلطات من دفنهما بالطريقة التي كانت تريد لتتطور الاحتجاجات لحراك خصوصا بعد التحاق بعض القرى و المناطق المحيطة بالمدينة.

تطور الحراك و فشل الحوار

بدأ الحراك يتطور و يتنظم حيث تم تشكيل لجان الأحياء و تم تقسيم جرادة ل 5 نقاط و هي نقطة الرازي و تضم حوالي 8 أحياء و نقطة المنار و تضم حوالي 14 حي و نقطة أولاد عمر تضم حوالي 7 أحياء و نقطة المسيرة و تضم حوالي 5 أحياء و نقطة حاسي بلال و تضم حوالي 16 حي و تم تشكيل لجنة للحوار و تم صياغة ملف مطلبي يضم ثلاث نقط رئيسية و هي غلاء الفواتير حيث تم اقتراح مقترحين و هما اعتماد تسعير تفضيلية لساكنة جرادة على اعتبار أن جرادة من جهة تقع فوق ثاني أكبر فرشة مائية في إفريقيا حيث لا تكلف شركة المكتب الوطني للماء و الكهرباء تكلفة كبيرة لأن المياه الجوفية قريبة من سطح الأرض إظافة أن المكتب الوطني ورث عن شركة مفاحم المغرب شبكة تصريف المياه مما يبرر التسعيرة التفضيلية لساكنة جرادة أما بالنسبة للكهرباء فجرادة تعد من أكبر المدن المنتجة للكهرباء بحكم توفرها على معمل للطاقة الشمسية المتواجد بمنطقة بركم بعين بني مطهر إضافة للمعمل القديم و المعمل الجديد للطاقة الحرارية الموجودان بجرادة و نظرا لتضرر الساكنة من التلوث الذي يحدثه معمل الطاقة الحرارية بسب استعمال الفحم المستورد من بولونيا و المعروف بنسبة المرتفعة للتلوث بسبب احتراقه و بالتالي التسعيرة التفضيلية هي جبر الضرر للساكنة و هذا ما كانت تعمل به الشركة اعتمادا على الاتفاقية الاجتماعية و الاقتصادية التي وقعتها مع النقابات و المقترح الثاني هو رفع نسبة الشطر مع الإبقاء على التسعيرة الحالية و بالنسبة للنقطة الثانية من الملف المطلبي فتضمنت توفير البديل الاقتصادي الذي التزمت به الدولة بعد إغلاق شركة مفاحم المغرب و ذلك بتنفيذ الاتفاقية الاجتماعية و الاقتصادية عبر تعويض العمال حيث لازالت مجموعة من الملفات لم تسوى لحد الآن خصوصا مرضى السيليكوز و المطرودين و الأرامل إظافة لبناء مجموعة من المعامل كمعمل الكارتون و معمل العلف و تهيئ الحي الصناعي من أجل جلب الاستثمارات للمدينة إضافة لضخ أموال تصفية الشركة لجماعة جرادة و المتعلقة ببيع ممتلكات الشركة و التي تم التحايل و الاستيلاء عليها و بالتالي لم يتم تنفيذ بنود الاتفاقية الاجتماعية و الاقتصادية الموقعة بين الدولة و النقابات أما المطلب الثالث فهو محاسبة المسؤولين عن الوضع الحالي الذي تعيشه مدينة جرادة خصوصا الأباطرة الذين استفاذوا من رخص حصرية للاستغلال و التسويق و اللذين استغلوا معاناة الساكنة مع انعدام الشغل ليقوموا باحتكار سوق الإنتاج و التسويق و فرضوا على عمال الساندريات أثمنة زهيدة حيث كانوا يقتنون قنطار من الفحم الحجري بحوالي 40 درهم و غبار الفحم مجانا و بعد أن طالب العمال برفع الثمن قاموا برفعه ل 60 درهم و الغبار ب 20 درهم في حين أنهم يبيعون القنطار للشركات بحوالي 500 درهم أو أكثر مما جعلهم يغتنون بشكل كبير على حساب معاناة الساكنة مع العلم أن الرخص كانت تسلم بناء على دفتر تحملات و الذي يفرض على المستفيذ إنشاء شركة و توفير التجهيزات و ضمان سلامة و حقوق العمال لكن كل هذا لم يتم الالتزام به هذه المطالب كانت موضوع الحوار الذي جمع اللجنة مع كل من الرباح وزير الطاقة و المعادن و أخنوش وزير الفلاحة و الصيد البحري و التنمية القروية و المياه و الغابات لكن المقترحات التي قدمها الوزراء لم تكن كافية بالنسبة للمحتجين حيث تم اقتراح مجموعة من الأجوبة الغير عملية كالنظر لمطلب حل مشكل غلاء الفواتير دون إعطاء جواب واضح إضافة لتهيئ حوالي 3000 هكتار منها 1000 هكتار من الأراضي السلالية و 2000 هكتار أراضي الدولة تعطى لأبناء المدينة على أن تتولى الدولة تمويل المشاريع الفلاحية بهذه الأراضي و سيتم رصد مبلغ 28 مليار درهم لهذا الغرض و ذلك عبر غرس أشجار اللوز و الخروب و غيرها و التي اعتبرتها الساكنة غير كافية لإيقاف الحراك خصوصا أن الساكنة لا تجد ما تشتري به رغيف الخبز حاليا فكيف ستنتظر نمو أشجار اللوز و الخروب و تثمر لتستطيع استغلالها و من هنا سيعرف الحراك منعطفا جديدا حيث رفض المحتجين أي حوار خارج الاستجابة لمطالبهم الثلاث لكن لجنة الحوار ستتجاوز قرار المحتجين و ستقرر الاستجابة لطلب حوار تقدم به الوالي فقررت لجان الأحياء عزل لجنة الحوار و تم اقتراح لجنة أخرى لقيادة الحراك و هو الأمر الذي لم تستسغه الجهات النافذة في الدولة فقررت اعتماد المقاربة الأمنية لفض الاحتجاجات و اعتمدت في ذلك على بعض الحوارات التي قامت بها مصالحها مع مجموعة من التنظيمات السياسية و النقابية و قامت باستغلالها لقمع الحراك حيث قامت وزارة الداخلية بإصدار بلاغ بمنع التظاهر في الساحات العمومية و هو البلاغ الصادر بتاريخ 13 مارس 2018 حيث أعلنت وزارة الداخلية عن منع التظاهر “غير القانوني” بالشارع العام في إقليم جرادة، مهددة بـ”التعامل بكل حزم مع التصرفات والسلوكات غير المسؤولة، وذلك حفاظا على استتباب الأمن وضمان السير العادي للحياة العامة وحماية لمصالح المواطنات والمواطنين”، مشيرة إلى أن هذا القرار جاء “انطلاقا من صلاحياتها القانونية وأحقيتها في إعمال القانون”. وقالت الوزارة في بلاغ لها، إن “بعض الفئات أبت إلا أن تضع مجهودات الدولة على الهامش من خلال سعيها بكل الوسائل إلى استغلال المطالب المشروعة المعبر عنها، وتحريض الساكنة بشكل متواصل على الاحتجاج بدون احترام المقتضيات القانونية، مما يربك الحياة العادية بالمنطقة”.

و مباشرة بعد صدور القرار قرر المحتجون و لتفويت الفرصة على المخزن نقل احتجاجاتهم خارج الساحات العمومية بحيث نقلوا احتجاجاتهم لمكان تواجد الساندريات حيث قرر اثنين منهم الاعتصام داخلها لكن الدولة كان لها قرار آخر هو فض الاحتجاجات أينما وجدت حيث تدخلت لفض الاحتجاجات في الغابة خارج المدينة يوم الأربعاء الأسود 14مارس2018 و استعملت حسب روايات بعض المواطنين أشخاص لتأجيج المواجهات حيث ظهر بعض الملثمين الذين استغلوا هجوم قوات الدرك الحربي على المتظاهرين لتفريقهم لتقوم بتحريض الأطفال القاصرين على مواجهة الدرك و اشتعلت مواجهات بين الطرفين استعملت فيها القنابل المسيلة للدموع و السيارات التي قامت بدهس المحتجين و المقلاع حيث ظهر مجموعة من رجال التدخل و هم يرمون المحتجين بالحجارة في المقابل قام القاصرين برمي تلك القوات بالحجارة و تم إحراق إحدى السيارات التي تخلت عنها قوات التدخل بسبب المواجهات و قد خلفت المواجهات ضحايا بين الطرفين منهم طفل في حالة صحية حرجة بسبب دهسه من طرف سيارة للأمن و هناك حديث عن حالة أخرى تجهل المعلومات حولها بسبب تكتم السلطة عنها و عدم تواجد أسرته بمدينة جرادة و يتم الضغط عليها لكي لا تخرج بأي معلومات حسب روايات مختلفة و هناك مجموعة من المحتجين لم يلجوا للمستشفى خوفا من الاعتقال حيث قامت بعض الأسر بمعالجة أبناءها في البيت بطرق تقليدية و منها الخياطة. كما تم اعتقال مجموعة من النشطاء حيث تم اعتقال 4 أشخاص قبل المواجهات كانوا قد تعرضوا لحادثة سير باصطدام سيارتهم مع إحدى الأشجار و نظرا لأن الحادث لم يكن خطيرا غادروا مكان الحادث خصوصا أن أي منهم لم يصب بمكروه لكن السلطات علمت بالخبر فاعتقلتهم و احتجزت السيارة من مرآب للصيانة و تابعتهم بتهم السياقة في حالة سكر و التحريض رغم أنهم اعتقلوا بعد الحادث بثلاثة أيام أو أكثر كما تم اعتقال نشطاء من أماكن بعيدة عن الأحداث و في تواريخ مختلفة و قد وصل عدد المعتقلين حوالي 100 معتقل أو أكثر حسب تصريحات ساكنة جرادة في حين تحدثت قناة ميدي1 تيفي يوم السبت 31 مارس عن اعتقال 77 شخص. منهم قاصرين و منهم مصابين و هناك حديث عن عزل بعض المعتقلين داخل المعتقل.

إعداد: يوسف بنصباحية

المصادر:
– تصريحات الساكنة
– فيديوهات من حين المكان
– تصريحات عائلات المعتقلين
– تصريحات بعض المصابين بالسيليكوز

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *