تقرير… احتجاجات المغرب بين أزمة الوساطات وأزمة التوافقات

مصطفى جالي – مركز الجزيرة للدراسات

يناقش هذا التقرير الاحتجاجات التي يشهدها المغرب منذ عدة أشهر: ما دوافعها وطبيعتها ومميزاتها؟ وكيف تعاطت معها الدولة والأحزاب السياسية؟ وما أسبابها البنيوية والعميقة وما كشفت عنه من أزمات تعتري التجربة الديمقراطية التي انطلقت عام 2011 إبَّان فترة “الربيع العربي” وأثرها على استقرار المملكة؟

مقدمة

لا تزال الاحتجاجات في الشوارع المغربية متواصلة منذ مقتل بائع السمك، محسن فكري، في 28 أكتوبر/تشرين الأول 2016، في مدينة الحسيمة بمنطقة الريف (شمال المغرب) سَحقًا في عربة لجمع النفايات تابعة للسلطات العمومية عندما حاول الاعتراض على مصادرة بضائعه (أسماك محظور صيدها)، ومن ثم أشعل فتيل احتجاجات في المنطقة امتدت لاحقًا إلى مناطق مختلفة في المملكة على غرار مدينتي زاكورة وتنغير وغيرهما وصولًا لمدينة جرادة (شرق المغرب). وقد قوبلت تلك الاحتجاجات لاحقًا بمنع السلطات كما أسفرت عن موجة من الاعتقالات والمحاكمات والسجن.

كان المتظاهرون يطالبون في بادئ الأمر بإحقاق العدالة وكشف الحقيقة حول مقتل “شهيد الحُقْرَة”، غير أن الحركة اتسعت تدريجيًّا لتشمل مطالب اجتماعية واقتصادية (وسياسية في منطقة الريف المعروفة تاريخيًّا بالعلاقة المتوترة مع الدولة) والتي تشكو من التهميش وعدم المساواة في مشاريع التنمية.

ومع تدهور الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية من فقر وبطالة، وفي ظل تنامي الأحداث واتساع رقعتها الجغرافية أبانت الدولة والحكومة على ارتباك كبير في تدبير الأزمة، كما نلمح عجزًا كبيرًا للوسطاء الطبيعيين من أحزاب سياسية ومجتمع مدني وإعلام عن القيام بأية مبادرات ذات مصداقية للخروج من عنق الزجاجة، في سياق وطني ودولي دقيق تميز بالولادة القيصرية لحكومة سعد الدين العثماني بعد أشهر من الفراغ السياسي وبانضمام المغرب لمنظمة الاتحاد الإفريقي وتعيين مبعوث أممي جديد للصحراء الغربية.

تعثر جُلُّ المحاولات الرامية إلى احتواء موجة الاحتجاجات، وإيجاد حلول لها، الشيء الذي زاد من عمق الأزمة وأطال أمدها وكشف عن ارتجالية التدبير المؤسساتي الذي يغلِّب المقاربة الأمنية على الإنصات لنبض الشارع، كما كشف عن الانهيار التدريجي للوسائط الاجتماعية والسياسية الذي وصل إلى حدِّ مطالبة المحتجين بتدخل ملكي قد يؤسس لنوع جديد من المصالحة بعد أن فقد المواطنون الثقة في الأحزاب والنقابات والهيئات المنتخبة ومؤسسات الدولة.

في هذا الصدد، يناقش التقرير موضوع الاحتجاجات التي يشهدها المغرب منذ عدة أشهر: دوافعها وطبيعتها ومميزاتها، وكيف تعاطت معها الدولة والأحزاب السياسية، وأسبابها البنيوية والعميقة وما كشفت عنه من أزمات تعتري التجربة الديمقراطية، التي انطلقت عام 2011، إبَّان فترة “الربيع العربي” وأثرها على استقرار المملكة.

وضع اجتماعي محفز للغليان الشعبي

صدرت خلال سنة 2017 عدة تقارير وطنية ودولية كشفت عن حجم الهشاشة الذي يعرفه الوضع الاجتماعي بالمغرب(1)، حيث ارتفعت نسبة العاطلين عن العمل من 10.4% إلى %10.7 لاسيما في صفوف الشباب، كما أوضحت أن عدد العاطلين الإجمالي على المستوى الوطني بلغ مليون و296 ألف شخص، وقد ورد هذا في مذكرة المندوبية السامية للتخطيط وهي مؤسسة رسمية بمثابة وزارة للتخطيط.

وقد كشفت تقارير صادرة عن البنك الدولي أن شابًّا مغربيًّا من أصل اثنين تقريبًا ممن تتراوح أعمارهم بين 25 إلى 35 سنة يتوفرون على منصب عمل غالبًا ما يكون في القطاع غير النظامي والذي يتميز بكونه هشًّا وغير مستديم.

أما قطاع التعليم، فقد احتل المغرب حسب مؤشر التعليم (كما في تقرير للمنتدى الاقتصادي العالمي صادر سنة 2017)، المركز 101 عالميًّا من بين 140 دولة؛ حيث أكد التقرير عجز المدرسة المغربية عن التغلب على الهدر المدرسي، والذي تسبب في تنامي معدلات الإقصاء في أوساط اليافعين والشباب وارتفاع الأمية بأشكالها المختلفة، ناهيك عن الاختلالات الكثيرة التي تعتري الخدمات المقدمة من قبل المؤسسات التعليمية في المرحلة الابتدائية، حيث إن أكثر من نصف تلاميذ المدارس العمومية لا يتوفرون على الحد الأدنى من البنيات التحتية الضرورية كالإنارة والصرف الصحي.

وبالنسبة للوضع الصحي، فقد أفاد تقرير لمنظمة الصحة العالمية أن المغرب يخصص حوالي 14 إطارًا طبيًّا لكل مئة ألف مواطن محتلًّا بذلك المركز 16 عربيًّا، وهي نسبة ضئيلة إذا ما قورنت بدول الجوار. كما أن المغرب يخصص لقطاع الصحة حوالي 6% من ميزانيته العامة، وهي نسبة لا تصل حتى إلى النسبة المعتمدة من قبل منظمة الصحة العالمية والمقررة بـ 9%، حيث ما زال المواطن المغربي يجد صعوبة في الولوج للخدمات الصحية؛ ولا تتعدى نسبة العلاج في المستشفيات العمومية 5%، ناهيك عن انعدام العدالة المجالية حيث يتمركز 38% من الأطباء في جهتي الرباط والبيضاء.

علاوة على أن 11.7% من المغاربة فقراء، حسب المندوبية السامية للتخطيط، بالإضافة إلى أن المواطنين الذين ليسوا في هذا الوضع حسب المعايير المعتمدة يواصلون التأكيد على وجودهم في هذا الوضع على مستوى واقعهم المعيشي، وهم يمثلون 45% على الصعيد الوطني. وهذا المعطى تؤكده تقارير الأمم المتحدة حيث إن أكثر من 5 ملايين مغربي يعيشون بأقل من 550 درهمًا في الشهر (ما يقارب 60 دولارا) ومليوني مغربي يعيشون بأقل من 300 درهم في الشهر (ما يقارب 33 دولارا)، وأن 12.6% من المغاربة قريبون من عتبة الفقر متعدد الجوانب، مقابل 4.9% يعيشون فقرًا حادًّا متعدد الأبعاد. كما أن 44.3% من المغاربة لا يزالون محرومين من حقوقهم الأساسية من سكن وصحة وتعليم الشيء الذي يكشف عن تأخر المغرب في محاربة الفقر والهشاشة. كما تُقدَّر الفجوة الاقتصادية الحالية تاريخيًّا بين المغرب وأوروبا بحوالي نصف قرن حيث إن مستوى المعيشة الحالي للمغاربة يضاهي نظيره لدى الفرنسيين في عام 1950، ولدى الإيطاليين في عام 1955، والإسبان في عام 1960، والبرتغاليين في عام 1965.

وإذا كانت كل هذه المعطيات تشمل مجمل تراب المملكة فينبغي استحضار معطى التفاوتات المجالية بين الجهات والأقاليم من جهة وبين المدن الكبرى والصغرى والقرى من جهة أخرى، حيث تتمركز معظم الأنشطة الاقتصادية والإدارية والاستثمارات الكبرى والمرافق الأساسية في حواضر الرباط والدار البيضاء وطنجة ومراكش. هذا، بالإضافة لخصوصية بعض المناطق التي لم تستفد بشكل عادل وكاف من برامج التنمية منذ استقلال المغرب عن الحماية الفرنسية والإسبانية وحتى بعد الإصلاحات الدستورية لسنة 2011، رغم التحولات الديمغرافية وتزايد الطلب على الحاجيات الاجتماعية الأساسية.

ونتيجة لهذه المؤشرات الإحصائية التي تنضاف إليها مجموعة من الحوادث المأساوية والأزمات فقد شكَّل كل هذا عوامل دفعت المغاربة للنزول للشارع في شكل احتجاجات اجتماعية شملت فئات متنوعة ومناطق مختلفة كان أبرزها مدن الحسيمة وزاكورة وتنغير، لتنضاف إليها مدينة جرادة. وهي احتجاجات مرتبطة أساسًا بقضايا التنمية والمطالبة برفع الحيف والتهميش ورد الاعتبار للإنسان والمجال وتوفير الخدمات الاجتماعية الضرورية كالشغل والتعليم والصحة والبنيات التحتية الأساسية.

جيل جديد من الاحتجاجات

هنالك عدة مؤشرات تؤكد بالملموس أن الحركات الاحتجاجية التي تعرفها مدن الحسيمة وجرادة وباقي المناطق لا تنتمي لفئة الحركات الاحتجاجية الكلاسيكية بل تنتمي لجيل جديد من الاحتجاجات(2)؛ حيث إن حراك منطقة الريف غير مسبوق وفريد من نوعه على مستوى الحركات الاحتجاجية بالمغرب من حيث شكله وخصوصيات تكوينه وتأطيره وتواصله وتأثير خطابه وزخمه واستمراره وحتى مشروعيته.

إن هذا الشكل الجديد من الاحتجاجات الشعبية تمكَّن من استعادة الفضاء العام (الشارع) الذي أصبح متنفسًا للاحتجاج والتفاعل المدني، حيث لم يعرف المغرب حراكًا شعبيًّا مماثلًا منذ اندلاع احتجاجات حركة “20 فبراير” إبَّان فترة الثورات العربية في 2011؛ حيث بدأ نفس المشهد يتكرر من جديد على الساحة المغربية في كثير من مناطق المملكة وفق خصوصيات جغرافية وثقافية واجتماعية مختلفة.

لقد انطلقت الشرارة الأولى للحراك الاحتجاجي بمدينة الحسيمة المغربية مباشرة بعد مقتل بائع السمك، محسن فكري، يوم 28 أكتوبر/تشرين الأول 2016، سَحْقًا في عربة لجمع النفايات في الحسيمة بمنطقة الريف (شمال المغرب) عندما حاول الاعتراض على مصادرة بضائعه، وهي أسماك محظور صيدها، مما أثار صدمة في المغرب وأشعل فتيل الاحتجاجات التي استمرت لأشهر؛ حيث حاولت الدولة احتواء الموقف والتعهد بفتح تحقيق جدي من أجل تحديد المسؤوليات، فهدأ الحراك وترقَّبَ الرأي العام نتائج التحقيق الذي خلص إلى أن الحادث كان ناتجًا عن القتل غير العمد دون الالتفات إلى الشطط في استعمال السلطة أو الأسباب البنيوية غير المباشرة التي أدت إلى اندلاع الأزمة والمتمثلة أساسًا في كون المشاريع التي كانت مدرجة لتنمية المنطقة تفتقر إلى عوامل الاستدامة وليس لها تأثير مباشر على عيش السكان، وفي غياب الحكامة وسوء التدبير، مما جعل الحراك ينمو أمام غياب مشروع تنموي حقيقي وشامل في المنطقة، وعدم إنجاز أو تعثر حزمة مشاريع أطلقها الملك؛ الأمر الذي أسهم في تكريس عزلة وتهميش سكان منطقة الريف وترسيخ سياسة “المغرب النافع” و”المغرب غير النافع”(3) الناتجة عن عدم الإنصاف التنموي بين المدن والجهات؛ الشيء الذي خلق أزمة ثقة بين الساكنة والهيئات المشرفة على التحقيق. وكانت النتيجة في النهاية عدم قبول الأحكام القضائية الصادرة تجاه المتورطين في مقتل محسن فكري؛ فتم الانتقال إلى مرحلة انعدام الثقة بين سكان المنطقة والحكومة. ومع نمو الحراك وتوسعه انتقلنا من مشكلة التحقيق في أسباب الجريمة إلى البحث عن الجذور السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتنموية للأزمة ومنذ ذلك الحين والاحتجاجات متواصلة بشكل متقطع قبل أن تُصعِّد من وتيرتها وسط موجات من الاعتقالات والمحاكمات شملت العديد من الناشطين حيث تم توقيف مئات الأشخاص وإخضاعهم للمحاكمة، بينهم القائد الميداني للحراك، ناصر الزفزافي، في شهر رمضان من العام 2017 على إثر احتجاجه داخل أحد المساجد بمدينة الحسيمة.

وكان المتظاهرون يطالبون في بداية الاحتجاجات بإحقاق العدالة وكشف الحقيقة حول مقتل “شهيد الحقرة” غير أن الحركة اتسعت تدريجيًّا لتشمل مطالب اجتماعية واقتصادية في منطقة الريف المعروفة تاريخيًّا بالتمرد والتي تشكو من التهميش وسوء التنمية(4).

لقد شهدت مدن أخرى، خلال نفس السنة، حركات احتجاجية مرتبطة أساسًا بقضايا التنمية ورفع التهميش و”الحقرة” وتوفير الخدمات الاجتماعية كالتعليم والصحة والبنيات التحتية الضرورية، مثل مدن: زاكورة وتنغير وخريبكة، وطاطا، وبن جرير، ووزان، وآزرو، وأبي الجعد، وزايو، وتاوريرت، وآسفي… لتنضاف إليها اليوم منطقة جرادة المنتفضة بعد وفاة شابين في حادث انهيار منجم لاستخراج الفحم الحجري، إذ لم تستطع الساكنة إخراجهما لانعدام الإمكانيات اللازمة في ظل غياب السلطات المحلية، وقد خرج الساكنة في احتجاجات عقب الحادث، منددين باستمرار تهميش الساكنة وترك أبنائها يواجهون الموت من أجل الحصول على لقمة العيش.

على إثر ذلك، يمكن أن نعتبر حراك الريف على وجه الخصوص وما تلاه من احتجاجات كامتداد أو استمرارية لحركة 20 فبراير، حيث إن الحراك ربما قد استفاد من أخطاء الحركة والتي كان الزفزافي قائد حراك منطقة الريف ناشطًا فيها، لاسيما من حيث تشابه الأسباب التي أسهمت في ظهورهما من احتقان اجتماعي وسياسي وبطالة وفساد. هذا، بالإضافة لسلمية الحراكين ورفعهما بعض الشعارات والمطالب المتشابهة مثل محاربة الفساد والعدالة الاجتماعية لكن ذلك لا ينفي وجود فوارق فاصلة بين الحراكين السابقين وكذا بين باقي الاحتجاجات اللاحقة كاحتجاجات مدينة الحسيمة، أهمها البعد الجغرافي أو الطابع الجهوي والإثني، أي اقتصار حراك الريف على منطقة جغرافية محدودة -منطقة الريف- وهي منطقة أمازيغية بامتياز، وقدرته على الصمود على خلاف حركة 20 فبراير التي توقف نشاطها واضمحلَّ نتيجة الانقسامات الداخلية. كما أن الحراك تمكن من بناء هوية مشتركة مؤسسة على خطاب يمزج بين المطالب الاقتصادية والسياسية، وهي مطالب سياسية مغلفة بخطاب تنموي، أي من الاحتجاج على مقتل محسن فكري حتى المطالبة برفع العسكرة عن المنطقة واستحضار رمز المقاومة عبد الكريم الخطابي واستعارة بعض العبارات المنسوبة له أشهرها: “هل أنتم حكومة أم عصابة؟” ورفع علم “جمهورية الريف” ومهاجمة الأحزاب والحكومة، بالإضافة لقدرته على تأطير الحراك بشكل أكبر وإفراز قيادات ميدانية شابة ذات مصداقية بالإضافة إلى إبداع أشكال احتجاجية جديدة من استعمال الأواني المنزلية (للطنطنة) أو الاحتجاج على سطح المنازل أو وسط مياه البحر…(5).

بالتالي، وجب النظر لكل الحركات الاحتجاجية التي انطلقت في الآونة الأخيرة كل على حدة من حيث تركيبها وسقف مطالبها ومسبباتها المباشرة، علاوة على عوامل تماسكها وصمودها الذي يمكن إرجاعه لأسباب داخلية خاصة مثل التناغم الثقافي والإثني والتاريخي ووحدة المصير ومشروعية المطالب وعدالتها وعدم خروجها عن ثوابت المملكة. مع أن من أبرز سمات الجيل الجديد من الاحتجاجات هو تحولها من الطابع المحلي إلى الطابع الوطني وليس العكس كما حدث مع حركة 20 فبراير.

لقد خلق القمع الذي قوبلت به الانتفاضة الشعبية في الريف عام 1958 مشاعر سلبية مضمرة من الدولة المركزية التي تشكَّل لديها هي الأخرى نوع من التوجس والارتياب تجاه كل أشكال الاحتجاج في الريف، وهو ما خلق مناخًا متبادلًا من انعدام الثقة. وهذا الأمر هو ما يشكِّل خصوصية احتجاجات منطقة الريف اليوم، تلك الأحداث التاريخية زرعت شعورًا متوارثًا بين مختلف الأجيال بالمظلومية ازدادت حدته في عهد الملك الراحل، الحسن الثاني، عام 1984، عقب الاحتجاجات التي عرفتها منطقة الريف من جرَّاء ارتفاع البطالة وغلاء المعيشة؛ الأمر الذي قوبل مرة أخرى بقمع السلطات إلى درجة وَصَفَها الملك الراحل الحسن الثاني بأنها مسيرة “الأوباش” في إشارة للمحتجين في الريف.

هذه العلاقة المتوترة جعلت الدولة تهمل تنمية المنطقة لسنوات عكس المناطق الأخرى، حيث لم تُعد الدولة اهتمامها بمنطقة الريف إلا بعد الزلزال الذي ضرب المنطقة سنة 2004. رغم ذلك فإنه لم يكن كافيًا لرفع التهميش والإهمال عن المنطقة نظرًا لبعض الخصوصيات المرتبطة أساسًا بانتشار تجارة المخدرات التي بدأت الدولة في محاربتها بعد صدور تقارير دولية في هذا الأمر. هذا فضلًا عن تراجع عائدات المغاربة المقيمين بالخارج من أبناء المنطقة في السنوات الأخيرة، وكذلك تراجع عائدات الصيد البحري؛ لأن هذه الموارد الثلاث تعتبر أساس اقتصاد المنطقة.

إن الزخم الوطني الذي طبع حراك الريف من خلال التضامن الواسع للمغاربة مع مشروعيته وسلميته وتماسكه سيقود في نهاية المطاف بعد فشل كل محاولات الاحتواء والقمع والوساطات والوعود الحكومية إلى وصم الحراك بتهم الانفصال وتلقي الأموال من الخارج من قبل قادة الأحزاب المشكِّلة لـ”الائتلاف” الحكومي(6).

فشل محاولات الاحتواء

في البداية، يمكن الجزم بكون الأشكال الجديدة من الحوادث هي بالأساس “حراكات احتجاجية” أكثر من كونها “حراكات اجتماعية” -رغم تميز حراك الريف عن باقي الحراكات- رغم حضور الرهان الاجتماعي على رأس مطالب الحراك من منطلق التصنيف الذي قدَّمه السوسيولوجي الفرنسي، آلان تورين، لمفهوم الحركات الاجتماعية، وحدد له ثلاثة مبادئ تتلخص في:

  1. الهوية (le principe d’identité ou “qui lutte?”)
  2. ومبدأ التعارض (le principe d’opposition ou “qui est l’adversaire?”)
  3. وأخيرًا، مبدأ الكلية (le principe de totalité ou “pourquoi lutter?”)

وكلها مبادئ لا تنطبق إلى حدٍّ كبير على النسق العام لجملة الاحتجاجات التي اندلعت بمنطقة الريف وباقي المناطق(7).

مع ذلك، فقد عمدت الدولة من خلال الحكومة إلى القيام بمجموعة من التكتيكات في التعامل مع الاحتجاجات، ويمكن إسقاط هذا التعاطي من قبل الدولة على كل من حراك الريف وحراك جرادة مع أنه كان هناك تجاوب محدود في البداية مع المطالب وفتح قنوات للحوار مع المنتخبين ثم إعطاء وعود بالاستجابة لبعض المطالب دون توفر ضمانات حقيقية، بالموازاة مع زيارة مسؤولين حكوميين للمنطقة ومع استمرار الاحتجاجات في الشارع نظرًا لعدم توفر عامل الثقة بين المحتجين والمسؤولين الحكوميين الذين يمثلون الدولة واستمرار الوضع على نفس الحال لفترة طويلة، وقد توقف معه الحوار؛ الشيء الذي أفضى في نهاية الأمر إلى اللجوء لمنع التظاهر والاحتجاج. لكن المحتجين سَيَتَحَدَّوْن المنع في كل مرة مما دفع الدولة للجوء للقوة لمنع المظاهرات؛ الأمر الذي سيُنتج صدامات بين المحتجين والقوات العمومية انتهت بحملة واسعة من الاعتقالات والمحاكمات التي لا تزال أطوارها تجري إلى حدود الساعة.

لقد أخذ تعامل الدولة مع الحركات الاحتجاجية طابعًا توافقيًّا واجتماعيًّا في البداية خاصة مع احتجاجات جرادة عكس احتجاجات الحسيمة التي تأرجح تعاطي الدولة معها بين ما هو اجتماعي وما هو سياسي حيث تباينت ردود الفعل تجاه الاحتجاجات بين كل من المؤسسة الملكية والحكومة:

  • فالمؤسسة الملكية تعاملت بحياد تام نظرًا لوظيفتها التحكيمية حيث تم النظر للأمور بمثابة أحداث اجتماعية وجب معالجتها قانونيًّا وليس سياسيًّا من خلال تحميل المسؤولية لرجال السلطة وسائق شاحنة الأزبال في ما يخص وفاة محسن فكري، في حين تم سحب رخص البحث واستغلال مناجم جرادة، وإغلاق المحطات الحرارية. لكن مع استمرار الأزمة تم اللجوء للوظيفة التحكيمية للملك من خلال المعالجة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وذلك من خلال فتح تحقيق في أسباب تعثر المشاريع المرصودة للمنطقة وعدم استفادة السكان منها؛ الأمر الذي نتج عنه زلزال سياسي جسدته حملة واسعة وغير مسبوقة من الإقالات في صفوف وزراء ومسؤولين كبار.
  • أما موقف الحكومة من الأحداث فقد كان متأخرًا نظرًا، أولًا، إلى الفراغ السياسي بين الانتخابات التشريعية وتشكيل الائتلاف الحكومي، ثم ثانيًا بسبب عادة الانتظار التي أَلِفَتها الطبقة السياسية في التعامل مع أزمات حرجة من هذا النوع قبل تبني الدولة لموقف رسمي تتم مسايرته وتثمينه والثناء عليه. بالإضافة إلى الخوف من تبني موقف متسرع قد تندم عليه فيما بعد، وهو ما حصل في واقع الأمر حيث أثارت تصريحات زعماء الأحزاب السياسية المشكِّلة للحكومة جدلًا واسعًا بتلميحها لكون احتجاجات الريف تحمل طابعًا انفصاليًّا وهو ما ستتراجع عنه فيما بعد. لذلك فان تأخر تبني الحكومة بأحزابها لمواقف واضحة في البداية بخصوص الاحتجاجات راجع لحياد موقف المؤسسة الملكية وعدم وضوحه قبل التأكيد على شرعية المطالب الاجتماعية والاقتصادية للمحتجين(8).

فبعد أشهر على انطلاق الاحتجاجات، تحول الاحتجاج من مجرد المطالبة بحقوق اقتصادية واجتماعية وثقافية إلى حد المطالبة بمطالب سياسية وحقوقية إطارها العام ربط إيقاف الاحتجاج بإطلاق سراح المعتقلين، وهي مسألة في غاية التعقيد قد تكون لها انعكاسات؛ منها المس بهيبة الدولة أولًا، والتدخل في سلطة القضاء ثانيًا، وضرب مبدأ فصل السلطات التي نص عليها الدستور ثالثًا(9).

عمومًا، أبانت الدولة المغربية عن ارتباك كبير في تدبير مجريات الحراك، كما يظهر أنها لم تستفد من أخطائها وفشلها في التجارب السابقة، ومنهجيًّا لم تعتمد المقاربة الاستباقية لاحتواء الحراك في أيامه الأولى، بل تركته يتسع إلى أن وصل إلى ما وصل إليه اليوم، ولم تكن للحكومة رؤية منسجمة واستراتيجية واضحة تجاه الاحتجاجات وظهرت بشكل ضعيف وحاولت اللعب على عامل الزمن حتى تنطفئ شرارة الاحتجاج معتقدة أن مصيرها سيكون مثل مصير باقي الاحتجاجات اللحظية التي عرفها المغرب. أما سياسيًّا، فلم تمتلك الأحزاب السياسية الشجاعة لتلعب دور الوسيط وتتدخل لاحتواء الحراك أو حتى تستعيد ثقة المحتجين لأن أسبابه الأساسية ذات طابع اجتماعي واقتصادي بالدرجة الأولى، بل إن مواقف الهيئات الحزبية المحلية والجهوية المنتخبة بمنطقة الريف كانت تخالف مواقف أحزابها المركزية(10) كما تتناقض مع دور الوساطة المفروض أن تلعبه في مثل هذه الأزمات وأن تصطف إلى جانب المطالب المشروعة للمواطنين في المناطق التي تعاني التهميش وعدم الإنصاف في برامج التنمية.

من أزمة التوافقات إلى أزمة الوساطات

لقد اعترى الحراك الاجتماعي والسياسي جملة من الاختلالات والأزمات التي تعتري التدبير السياسي:

  • أولًا: أزمة التمثيلية لدى غالبية الأحزاب السياسية والمؤسسات المنتخبة وهيئات المجتمع المدني التي يفترض فيها القرب من المواطن خاصة الجماعات المحلية. فقد وجدت نفسها في مأزق مزدوج فلا هي تؤدي وظيفتها التمثيلية المنوطة بها ولا ظلت في نظر الدولة تؤدي دور الدرع الواقية التي تتلقى الصدمات نيابة عنها.
  • ثانيًا: أزمة مصداقية النخب السياسية التي تقوم بدور الوساطة بين المواطنات والمواطنين والسلطة السياسية من خلال المؤسسات، ذلك ولما فشلت المؤسسات الوسيطة هذه (تحت الدولة فوق الشعب) في القيام بأدوارها في تمثيل المواطنين في المؤسسات المنتخبة والتعبير عن أصواتهم وتطلعاتهم والاستجابة لمطالبهم الملحَّة لدى صانعي القرار، ومع اتساع الهوة بينها وبين عامة الشعب ومع تفاقم الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية للفئات المهمشة، لم يكن لدى هذه الأخيرة من بُدٍّ سوى تجاوز تلك المؤسسات التي فقدت قيمتها ومشروعيتها وأصبحت مجرد “دكاكين انتخابية” تتسابق للواجهة عندما تكون الحصيلة إيجابية وتختبئ وراء القصر وإرجاع كل الأمور إليه عندما تكون الأوضاع سلبية.
  • على أثر ذلك أصبحت الدولة في مواجهة مباشرة مع الشارع، وهذا الأخير أصبح يوجه رسائله مباشرة إلى الدولة ولا يعير اهتمامًا للحكومة والأحزاب، وأصبح رأس الدولة معنيًّا بشكل غير مسبوق أمام المحتجين والخطاب أصبح يُوجَّه مباشرة للملك.
  • ثالثًا: أزمة علاقة السياسات العمومية بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية على رأسها مشروع الجهوية المتقدمة وما يترتب عنه من غياب الحكامة في معالجة الملفات المحلية والجهوية الشائكة ومن سوء تدبير مشاريع التنمية والمرافق العمومية وضعف النخب المحلية ومحدودية أدوارها وتدخلها، لذا يربط الكثير من الباحثين بين اتساع دائرة الاحتجاجات بالمغرب وتأخر تفعيل الجهوية المتقدمة التي ما زالت مراسيمها وقوانينها التطبيقية لم تصدر بعد، وفشل الأحزاب السياسية في تزكية نخب مؤهلة لتدبير الشأن العام، كل تلك مؤشرات تعكس في العمق فشل السياسات العمومية في الكثير من المناطق والقطاعات(11).
  • رابعًا: أزمة توافقات سياسية؛ برزت في اضمحلال منسوب الثقة بين الشعب والساسة (الأحزاب السياسية وهيئات المجتمع المدني) على غرار ذلك الذي كان على الأقل منذ عام 2011؛ إذ ساد نوع من الأمل والتفاؤل والتوافق على ضرورة الإصلاح من أجل تجاوز انعكاسات “الربيع العربي” في التجارب العربية التي آلت فيها الأوضاع إلى العنف والحرب الأهلية أو الانقلاب على نتائج الانتخابات أو الانقسام السياسي.

لكن، بعد خمس سنوات من انتظار جني ثمار الإصلاح مع مجموعة من التشكيلات الحكومية والاستحقاقات الانتخابية التي كان آخرها انتخابات تشريعية أفرزت حكومة بحمولة غير سياسية ولا تعكس المزاج الشعبي ولا تترجم نتائج صناديق الاقتراع، علاوة على منهجية تعاطيها مع الاحتجاجات والمطالب الشعبية ومحدودية النموذج التنموي وتردي الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية من فقر وبطالة وأمية وغلاء الأسعار قبل وبعد إعفاء أمين عام حزب العدالة والتنمية من تشكيل الحكومة الذي يمكن اعتباره، بشكل أكبر بكثير من باقي الفاعلين الذين أخذوا نفس المنحى، من أبرز مهندسي الاستثناء المغربي عام 2011 من خلال عدم مسايرته لموجة الاحتجاج آنذاك ممثلة في حركة 20 فبراير واصطفافه إلى جانب الإصلاحات التي قدمتها الملكية، وقد قاد توافقًا سياسيًّا أفضى إلى إصلاحات دستورية منحت رئيس الحكومة المنتخب صلاحيات واسعة، في الوقت الذي تصدر حزبه وقادته رئاسة الحكومة، على غرار تجربة “التناوب التوافقي” الذي طبع مرحلة انتقال الحكم بين الملك الراحل الحسن الثاني وولي عهده محمد السادس أواخر التسعينات والذي بلغ نهايته. وهو نفس السيناريو الذي عاشه المغرب وإن في سياق مغاير بعد إعفاء بنكيران وتشكيل حكومة العثماني مع مجموعة من الحلول الترقيعية التي أفرزت عدة أزمات سياسية واجتماعية تعززها حصيلة غير محفزة بسياسات ليبرالية تقشفية أنهكت الطبقة الفقيرة والمتوسطة.

وعلى هذا، فإن موجة الاحتجاجات التي يشهدها المغرب لا يمكن فصلها عن المناخ السياسي العام الذي تعيشه البلاد من صراع سياسي بين الأحزاب، ومن مخلَّفات ما بات يُعرف إعلاميًّا بـ”البلوكاج الحكومي”، كما شكَّل إعفاء بنكيران من تشكيل الحكومة ما يمكن اعتباره فكَّ عقد التوافق الذي انطلق آنذاك خاصة بين الإسلاميين الذين كانوا يقودون المعارضة وبين الدولة، والتي خلقت ارتيابًا وتوجسًا بتقديرها لطريقة تدبير المرحلة التي تلت الانتخابات التشريعية، ليس لدى الأحزاب فقط بل حتى لدى كافة الشعب الذي أصبح يشك في العملية السياسية برمتها وبجدوى السياسة وفعاليتها في تلبية تطلعاته.

إن عدم استمرار التوافق في وجهات النظر على منطق وطريق تدبير المرحلة بين الدولة والأحزاب السياسية ولَّد انعدام الثقة بينهما مما انعكس على ثقة الشعب في الأحزاب والمنتخبين وجعله ينزل إلى الشارع ليخاطب الدولة بشكل مباشر.

خلاصة ذلك أن معادلة التعايش السياسي والمجتمعي قد وقع فيها اختلال جوهري وفجوة عميقة ومعقدة تمثلت في الانهيار التدريجي لـ”وسط الهرم” السياسي وهو ما جعل الدولة في ورطة المواجهة مع الشارع، وهو أيضًا ما يزيد من الفجوة بين الشعب وبين الدولة والتي نتجت أساسًا من جرَّاء غياب التوافق بنفس الوتيرة أو أكثر، تلك الوتيرة التي طبعت مرحلة ما بعد “الربيع العربي” والتي احترمت فيها المنهجية الديمقراطية كاختيار الأمين العام للحزب المتصدر للانتخابات رئيسًا للحكومة. وهذا الأمر يؤثر على الاستقرار وذلك على غرار “فجوة الاستقرار” التي تحدث عنها عالم السياسة الأميركي، صامويل هنتغتون، ضمن نظريته في “الفوضى الخلاقة”، وهي الفجوة التي يشعر بها المواطن بين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون، فتؤثر تلك الهوة وتنعكس بتقلصها أو اتساعها على الاستقرار بشكل أو بآخر. فاتساعها يولد إحباطًا وسخطًا في أوساط المجتمع مما يعمل على زعزعة الاستقرار ودفع الشعب إلى الاحتجاج، الشيء الذي سيؤدي حتمًا لإحداث تغيير جذري أو “زلزال سياسي” حقيقي يصيب الهرم السياسي برمته(12).

لقد برهنت الاحتجاجات التي يشهدها المغرب على أن الانتقال الديمقراطي يمر بمرحلة صعبة، وهو ما يمكن تفسيره إما لكون الإصلاحات التي تم القيام بها لم ترقَ لمستوى التطلعات مما أبقى إمكانية عودة الاحتقان الاجتماعي قائمة في أية لحظة، أو أن الأحزاب السياسية والنخب لم تكن في مستوى المرحلة والمسؤولية الملقاة على عاتقها من تمثيل المواطنين في التفاوض السياسي مع السلطة من أجل تأويل ديمقراطي وتطبيق سليم ومتقدم للقواعد الدستورية المستفتى حولها وجني المزيد من المكاسب وتعزيزًا للحريات والحقوق وتكريس سيادة القانون وربط المسؤولية بالمحاسبة وتحقيق شروط دولة المواطنة. ومن أجل وضع اللبنات الأولى للممارسة الديمقراطية وللنجاعة السياسية والتأصيل لسلوك سياسي حضاري حديث قوامه المنافسة الشريفة بين المشاريع والبرامج والأفكار، من أجل تقديم عروض أفضل للمواطنين بغية تحقيق التناوب الديمقراطي المنشود.

استقرار سياسي على المحك

على الرغم من الوضع السلبي الذي آلت إليه الاحتجاجات حاليًّا من اعتقالات ومحاكمات فقد كان لتلك الاحتجاجات جوانب إيجابية لا يمكن تجاهلها؛ ففي مدينة الحسيمة مثلًا وبسبب الاحتجاجات انخفض ثمن سمك السردين من 20 درهمًا للكيلوجرام الواحد إلى سبعة دراهم، بعد اختفاء المضاربين في سوق السمك مخافة إخضاعهم للتحقيق. كما كسب المحتجون مساحة حرية للاحتجاج إثر تجنب القوات الأمنية التدخل الأمني في كثير من المناسبات، ثم إن الاحتجاجات نجحت في إثارة انتباه أعلى سلطة في البلاد وقد أبدت تجاوبًا مع مطالبهم. كل ذلك خلق انطباعًا عامًّا لدى الرأي العام المغربي بجدوى الاحتجاج بعدما تبين قدرة هذا الأسلوب على التأثير في صناعي القرار، وكعامل ضغط في يد الشارع يمكن استغلاله لدفع السلطة نحو القيام بمسؤولياتها(13).

على إثر ذلك، ينبغي التأكيد على أن مشاعر الاحتقان قد تتحول في أية لحظة إلى مطالب سياسية غير منتظرة يُعبَّر عنها في الشارع مما يقود إلى مزيد من الفوضى التي ستقود في نهاية الأمر إلى استبدال قواعد اللعب واللاعبين مما يجعل الاستقرار السياسي على المحك.

إن الوضع بالمغرب أصبح اليوم وضعًا صعبًا ومقلقًا لحد كبير؛ لذا يجب عدم الاستهانة بالاحتجاجات التي أساءت للنموذج المغربي، كما أنه على الدولة أن تفهم الرسائل السياسية للحراك والمرتبطة ضرورة بتوفر حدِّ أدنى من التوافق وعدم فرضها لـ”الأمر الواقع” في تدبير الشأن السياسي وبرسائله الاجتماعية المرتبطة بفشل السياسات العمومية ومحدودية النموذج التنموي، وبرسائله الاقتصادية المرتبطة بغياب العدالة الاقتصادية بين الجهات والأقاليم وضعف الحكامة المحلية(14).

على إثر ذلك، ينبغي التأكيد على أن الأزمة الحالية بنيوية وليست عابرة أو خاصة بأوضاع أو مناطق معينة، بل هي وضعية تكشف عن شعور عام يتطلب مصالحة جديدة وردَّ الاعتبار للمواطن والمناطق التي تعاني من عدم الإنصاف في التنمية، كما يؤكد الحاجة لتعاقد سياسي جديد يصالح المواطنين مع السياسة ربما أكبر من دستور 2011.

_____________________________

مصطفى جالي – باحث مغربي

مراجع

1 – انظر: “المغرب الاجتماعي خلال 2017: المغاربة يرفضون أداء الفاتورة الباهظة للاستبداد والفساد”، موقع جماعة العدل والإحسان، 31 ديسمبر/كانون الأول 2017، (تاريخ الدخول: 24 مارس/آذار 2018):

https://goo.gl/XYmqTv

2 – بلقاضي، ميلود، “حراك الحسيمة بين ضرورة الاحتواء وبين الوعي بالمخاطر”، جريدة العمق المغربي، 9 يونيو/حزيران 2017، (تاريخ الدخول: 20 مارس/آذار 2018):

https://al3omk.com/184773.html

3 – انظر: “حراك الريف في تشخيص الأزمة ومقترحات التدبير”، مركز مغارب، 6 يونيو/حزيران 2017، (تاريخ الدخول: 24 مارس/آذار 2018):

http://magharebcenter.org

– انظر: “الظلم والتهميش يشعلان فتيل الاحتجاجات بالمغرب”، الجزيرة نت، 12 فبراير/شباط 2018، (تاريخ الدخول: 24 مارس/آذار 2018):

https://goo.gl/8hSksf

5 –مصباح، محمد، “الجيل الجديد من الاحتجاجات في المغرب: مقارنة بين حراك الريف وحركة 20 شباط/فبراير”، مبادرة الإصلاح العربي، 7 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، (تاريخ الدخول: 20 مارس/آذار 2018):

https://www.arab-reform.net/ar/node/1102

6 – المرجع السابق.

7 – Alain Touraine- Concept de mouvement social, publié en 2010, (vu le 23 mars 2018):

http://com3109.pbworks.com/w/page/8622912/Alain%20Touraine-%20Concept%20de%20mouvement%20social

8 – انظر: الإدريسي، محمد، “الحراك الاحتجاجي بالريف المغربي: الأسباب والمآلات”، مركز برق للأبحاث والدراسات، (تاريخ الدخول: 22 مارس/آذار 2018):

https://goo.gl/bTaUkb

9 – بلقاضي، ميلود، “بلقاضي: “زلزال سياسي” ينتظر المغرب بعد خطاب عيد العرش”، جريدة هسبريس الإلكترونية، 29 يوليو/تموز 2017، (تاريخ الدخول: 20 مارس/آذار 2018):

https://www.hespress.com/orbites/359548.html

10– المرجع السابق.

11– المرجع السابق.

12 – اليحياوي، يحيى، “أميركا ومشاريع الفوضى الخلاقة”، الجزيرة نت، 15 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، (تاريخ الدخول: 24 مارس/آذار 2018):

https://goo.gl/dfJw6b

13 – بن الشريف، خالد “بين 20 فبراير وسماك الحسيمة.. خمس فوارق جوهرية شهدتها الاحتجاجات في المغرب”، ساسة بوست، 9 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، (تاريخ الدخول: 24 مارس/آذار 2018):

http://www.sasapost.com/5_differences_between_the_february_20_protests_protests_hoceima/

14 – بلقاضي، ميلود “حراك الحسيمة بين ضرورة الاحتواء وبين الوعي بالمخاطر”، مرجع سابق.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *