النموذج التنموي الجديد يقتضي إعادة بناء الإنسان المغربي أولا

يدير اكيندييدير اكيندي*

يوجد المغرب في مفترق طرق يدور حول خيارين أساسيين، إما انتهاز الفرص المتاحة أمامه من خلال إصلاحات دائمة وبنيوية وطويلة الأمد والبحث عن حلول لبؤر المستقبل المعيقة للتنمية، أو لا قدر الله الانغماس في انكماش اقتصادي، وارتفاع معدل البطالة ومعدلات الإجرام والفساد بكل أنواعه.

إن مشكل المغرب يعود بالأساس إلى التقاء هذه المجموعة من العوامل السلبية التي قد تدفع البلاد إلى دوامة تراجعية، وفقدان الثقة وارتفاع منسوب اليأس لدى المواطن المغربي مما قد يجعلنا في وضع صعب التحمل.

وقد كان هذا الوضع محط انتقاد لاذع من طرف الملك محمد السادس في إحدى خطبه عندما قال: “إن المغرب يشهد مفارقات صارخة من الصعب فهمها”، و”إن برنامج التنمية البشرية والترابية التي لها تأثير مباشر على تحسين ظروف عيش المواطنين، لا تشرفنا، وتبقى دون طموحنا”، رغم تأكيده أن البلاد تشهد تطورا مستمرا. إن هذا القلق على أعلى مستوى من الدولة له ما يبرره، بل ما يجعله آخر إنظار قبل الارتطام المميت.

فحتى تقرير المندوبية السامية للتخطيط حول خريطة الفقر متعدد الأبعاد يخبرنا بأن %11,5 من السكان يعيشون تحت عتبة الفقر. ويضيف التقرير أن %10,3 من المغاربة، أي 4 ملايين شخص، يرزحون تحت عتبة الفقر بنوعيه، و%6,5 من مجموع السكان، أي 2,3 مليون، يرزحون تحت عتبة الفقر المتعدد (صحة، تعليم، سكن)، و%3,5 من السكان، أي 1,2 مليون مغربي، يعيشون تحت عتبة الفقر النقدي، و%0,5 من المغاربة يعانون من الفقر المتعدد والنقدي في آن واحد.

ومؤخرا، كشفت الرابطة المغربية للمواطنة وحقوق الإنسان عن أرقام هامة حول الفقر في المغرب، مؤكدة أن 60 في المائة من المغاربة قريبون من عتبة الفقر متعدد الجوانب، في الوقت الذي يعيش فيه 4.9 بالمائة من المغاربة في فقر حاد متعدد الأبعاد في غياب أدنى شروط العيش الكريم.

كما اعتبرت أن حوالي 38 من الأطفال المغاربة الذين تقل أعمارهم عن 17 سنة يعانون الفقر في مختلف أبعاده، (العلاج والتأمين الصحي، الوصول إلى الماء الصالح للشرب، السكن، والتربية والتعليم، وخدمات الصرف الصحي)، وأن 46 في المائة من الأطفال المتراوحة أعمارهم بين 15 و17 سنة محرومون من الاستفادة من التغطية الصحية، و53 في المائة من الأطفال تحت سن أربع سنوات محرومون من الخدمة ذاتها، و35.3 في المائة من الأطفال المتراوحة أعمارهم بين 15 و17 سنة محرومون من التربية والتعليم، و8.4 في المائة من الأطفال بين 13 و14 سنة لم يكملوا تعليمهم الابتدائي.

إن تناول إشكالية التنمية بالمغرب له ما يبرره على مستوى الواقع الاجتماعي على اعتبار المدة الزمنية التي تم إهدارها دون أي فائدة تذكر. فمنذ الاستقلال حتى الآن ونحن نسمع أن المغرب سائر في طريق النمو مع العلم أن الواقع لا يؤشر إلا على مزيد من التخلف.

وفي سياق كهذا يصبح البحث عن إشكاليات التنمية بالمغرب ضرورة اجتماعية وموضوعية، تميط اللثام عن الحقيقة الاجتماعية للتنمية بالمغرب، بمعنى هل المغرب بلد متخلف أم إنه حقا مازال سائرا في طريق النمو كما كان يقال منذ الاستقلال؟

إن أية تنمية لا تجعل المواطن في صلب اهتمامها وانشغالاتها، مآلها الفشل، وفي أحسن الأحوال رفع الفوارق الاجتماعية، وكسر كل أمل في عقد اجتماعي يجعل من المغربي والمغربية هدفه الأسمى. إن المواطن يجب أن يكون محور كل شيء، فهو أهم ثروة مغربية نتوفر عليها، لذا يجب على الفاعل السياسي أخد حاجيات وآراء المواطن قبل أي قرار.

إن العقد الاجتماعي لا يلتئم إلا بتضافر جهود الجميع وتحملهم مسؤولياتهم، سواء كانوا مواطنين أو موظفين سامين وغير سامين، وزراء، برلمانيين، منتخبين جماعيين، عاملين بالقطاع الخاص إلخ…

وحتى تكون قراءتنا منصفة ومنطقية قدر الإمكان، فإننا نسائل كذلك المغربي والمغربية هل نقوم بالأدوار المنوطة بنا على أحسن وجه؟ أعتقد ومع كامل الأسف أن الجواب بالنفي، بل نكون في كثير من الأحيان حجر عثر أمام أي تغيير إيجابي.

كيف ذلك؟

ألسنا من لا يحترم قانون الأسبقية مثلا، سواء أثناء السياقة أو أثناء قضاء الأغراض داخل الإدارات العمومية، حيث نحاول دائما أخد دور الآخرين. لا نحترم قانون السير ونصبح بذلك خطرا متحركا نتسبب في كوارث ومآسي إنسانية، وعند إيقافنا من طرف أي شرطي، فإن أول ما نقوم به هو إخراج الهاتف لمحاولة الإفلات من الغرامات.

نحن كذلك من يبصق يمينا وشمالا في شوارعنا دون مراعاة المارة.

نحن كذلك من يتهرب دائما من المسؤولية في حياتنا اليومية.

نحن كذلك من يرمي الأزبال من أمام بيوتنا ووضعها أمام الجيران، أو في الممرات العامة، نحن من يرمي كذلك المخلفات من سيارتنا الفارهة، تم نشتكي من الأوساخ، ونقول إن المسؤولين عن جمع الأزبال لا يقومون بعملهم، سؤال بريء: من منا يستحق لقب “مول الزبل؟”. ألسنا نحن من يقول “ضربني الحيط” في حين إن الحائط جامد لا يتحرك.

والآن ماهي الحلول المقترحة للخروج من هذا النفق المظلم، والوصول بعد أكثر من ستين عاما من السير نحو تنمية شاملة دامجة تجعلنا نلتحق بركب الدول المتقدمة، وتعوض ما فات.

نعتقد جازمين أن الحل الوحيد والممكن يمر عبر:

– رفع مستوى معيشة السكان: حيث كلما زاد معدل دخل الفرد في جميع طبقات المجتمع، توفر الأمن الجماعي والاستقرار وتوفرت الحياة الأفضل.

– زيادة الدخل الوطني: يرتبط مستوى دخل الفرد بمستوى الدخل القومي؛ فبزيادة الدخل القومي تنعكس آثاره الإيجابية على السكان. لذلك، فإن مشروعات التنمية يكون جل هدفها هو زيادة الدخل القومي.

– تقليل التفاوت في توزيع الثروات والدخول: وذلك من خلال رفع الدخل للطبقات المتوسطة والفقيرة من السكان لتقليل التفاوت في توزيع الدخل والفارق النوعي بين الأغنياء والفقراء.

– التوسع في الهيكل الإنتاجي: وذلك من خلال زيادة القدرة الإنتاجية وبالقدر الذي يمكن من خلاله استيعاب هذا الإنتاج وتسويقه.

– زيادة كفاءة الخدمات: حيث تقاس حضارة وتقدم أي بلد بمقدار الخدمات التي تقدم للمواطن من كهرباء وماء وشوارع وصحة وتعليم … الخ.

إجمالا يمكن القول إن المغرب في حاجة فعلية إلى “معجزة تعليمية”، ومشكل هؤلاء الشباب يعود في جزء كبير منه إلى النسيج الاقتصادي الذي يعجز عن خلق فرص الشغل، وأيضا هو نتيجة نظام تعليمي بجودة ضعيفة ولا يضمن تكافؤ الفرص. فالنظام التعليمي المغربي هو واحد من بين النظم التعليمية الأكثر تفاوتا في العالم، بل إن بعض التقارير المعتمدة تتحدث عن “شرخ تعليمي”، على اعتبار أن التلاميذ المغاربة يعيشون في عالمين تعليميين متوازيين، تتحكم فيهما القدرات المالية للأسر.

وفي وقت يفترض أن تمثل فيه المدرسة وسيلة للتطور الاجتماعي، فإنها على العكس من ذلك تنتج اللامساواة بسبب الأصول السوسيو-اقتصادية للآباء. وهنا يبرز، أيضا، مشكل تحول عدد كبير من الأسر ذات الدخل المتوسط إلى التعليم الخصوصي، على العكس مما حصل في جميع الدول التي نجحت في رفع رأسمالها البشري، ومنها كوريا الجنوبية وسنغافورة وفنلندا، حيث تم التركيز على تعليم ابتدائي جيد للجميع في المدرسة العمومية بنسبة تقارب 100 في المائة.

من مسببات فشل المنظومة الاقتصادية والاجتماعية المغربية أيضا، نجد الرشوة، وضعف المنظومة الأخلاقية، فضلا عن اختلاس الأموال العمومية، وهي أسباب تأتي في المقدمة.

إن المغربي الآن يبحث عن الكرامة وعن الوجود وعن العدالة الاجتماعية، ويطالب بالعمل والحق في التشغيل وبناء اقتصاد واضح وشفاف لمواجهة اقتصاد الريع والفساد والرشوة، ويريد أن يرى في السياسات العمومية انعكاسا لمصالحه وحاجاته وطموحه وآماله.

المغربي اليوم يطلب ويلح على أن تعزز تجربته وتبرز خبرة بناته وأبنائه وتمكنهم من تبوؤ مراتب خدمة للوطن والمواطنين وجعل السلطة والسياسة أكثر رحمة وأكثر مساءلة وجدية وأكثر استعدادا لتلبية مطالب المغاربة.

لعل أحسن ما يمكن أن أختم به هذه الأفكار قصة قصيرة نشرها الكاتب البرازيلي الشهير باولوكويلو: “كان أب يحاول أن يقرأ الجريدة، ولكن ابنه الصغير لم يكف عن مضايقته … وحتى تعب الأب من ابنه فقام بقطع ورقة في الصفيحة كانت تحوي على خريطة العالم ومزقها إلى قطع صغيرة وقدمها لابنه وطلب منه إعادة تجميع الخريطة، ثم عاد لقراءة صحيفته ظنا أن الطفل سيبقى مشغولا بقية اليوم، إلا أنه لم تمر خمسة عشر دقيقة حتى عاد الابن إليه وقد أعاد ترتيب الخريطة! فتساءل الأب مذهولا: هل كانت أمك تعلمك الجغرافيا؟ رد الطفل قائلا: “لا، لكن كانت هناك صورة لإنسان على الوجه الآخر من الورقة، وعندما أعدت بناء الإنسان أعدت بناء العالم”.

كانت عبارة عفوية ولكن جميلة وذات معنى عميق “عندما أعدت بناء العالم”… فالأهم بناء الإنسان، أعيدوا بناء المغربي إذا أردتم بناء مغرب جدير بكل بناته وأبنائه؟

* فاعل جمعوي

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *