المغرب في حاجة إلى عملية إنقاذ بعدما تبخرت جميع أحلام الماضي وأصبح في عيون أبنائه سجنا لا يطاق

يونس فنيشيونس فنيش

تبخرت جميع أحلام الماضي وحل مكانها كابوس الرغبة الجماعية في الهجرة عبر قوارب الموت، كما لو كان الوطن سجنا لا يطاق.

كنا نحسب أن الأمر يقتصر على الطبقة الفقيرة ولكننا استيقظنا على خبر أن طبقة غنية هي أيضا أضحت تحلم بمغادرة الوطن رغم توفرها على عمل وسكن وتأمين على الصحة. لقد تحولت الرغبة في مغادرة الوطن أو الفرار منه في أسرع وقت ممكن إلى فكرة ثابتة راسخة، كأن هواء الوطن لم يعد صالحا للاستنشاق.

ولكن، إذا كان هؤلاء جميعهم يريدون الهجرة نظرا لعدم قدرتهم على التأقلم مع النفاق والكذب، ونظرا لأزمة التربية وانهيار القيم والأخلاق كما يقولون، فمن هم هؤلاء الذين سارعوا إلى نهب أمتعة موتى وجرحى حادثة القطار؟ إنهم ينتمون إلى الطبقة الفقيرة، ولكن لا شك أنهم بدورهم يحلمون بالهجرة ومغادرة الوطن، وفي انتظار ذلك يسرقون وينهبون بأبشع الطرق مع تحطيم كل الأرقام القياسية في الجبن، متجاوزين بذلك ضباع الغابة الاستوائية والسافانا. ويبقى السؤال، لو تحقق حلمهم وهاجروا إلى الديار الأخرى، هل ستتحسن أخلاقهم؟

وإذا كان هؤلاء الذين ينتمون إلى طبقة غنية بورجوازية جديدة لا يكفون هم أيضا على التصريح في صالوناتهم الخاصة برغبتهم في الهجرة ومغادرة الوطن إلى غير رجعة، نظرا لعدم قدرتهم على التأقلم مع النفاق والكذب، ونظرا لأزمة التربية وانهيار الأخلاق كما يقولون، فمن هم هؤلاء الذين تسابقوا لجمع حلويات البرلمان في أكياس البلاستيك الممنوعة وأباريق الشاي كذلك؟ فلو هاجروا فعلا نحو الضفة الأخرى هل ستتحسن أخلاقهم وهل سيتعافون من أمراض “اللهفة” و”اللهطة” والطمع والجشع؟

فهل يمكن أن نلوم الوطن وحده لأن سكانه يريدون مغادرته في أسرع وقت ممكن؟ طيب.

التحليل المنطقي والموضوعي الشامل، إلى حد ما وبصفة عامة، يقول إن سبب هجرة الشباب على متن قوارب الموت يكمن في تغييب المنطق وتعويضه بسوريالية مرضية أسقطت الأخلاق الرفيعة أرضا، ورفعت التفاهة والفراغ عاليا. الشباب المهاجرون على متن قوارب الموت لا يهربون من وطنهم بقدر ما يحاولون الحفاظ على عقولهم سالمة معافاة إلى أن يلقوا ربهم. الحياة السياسية عندنا أضحت خطيرة لأنها قد تسبب الحمق لمن يتابع أطوارها. الشباب اليوم لا يهربون من الوطن. إنهم يهربون بعقولهم حتى لا يصابوا بالحمق في وطنهم. لقد فشلت الحكومات المتتالية ولم تفلح سوى في المحافظة على امتيازات أفرادها وبرلمانييها.

فكرة الفرار من الوطن التي أصبحت تتفشى في كل الأوساط بشكل مخيف ما هي سوى نتيجة حتمية لتدبير كارتي لشؤون السياسة والاقتصاد. فالأوضاع تتدهور بسرعة فاقت كل التوقعات. لم يعد من الممكن الدفاع على وضع سياسي يتبنى الديمقراطية السطحية عبر أحزاب سياسية انتهت مدة صلاحيتها، وبرلمان معطوب لا يعمل ولم يعد يضمن حتى الفرجة لأكثر الناس سذاجة.

نعم. لا توجد معارضة مرخصة عندنا. لدينا فقط إما تأييد كلي أو تأييد موجه. ففي طريقة التأييد فقط يتنافس المتنافسون. هذا حالنا. ولكنه حال جنبنا، إلى حد الآن، الحرب الأهلية والفوضى العارمة الشاملة الكاملة المكتملة. فلا يمكننا، كشعب، التعايش في ظل الديمقراطية الحقيقية، لأننا شعب لم ينعم بعد بالتعليم والتربية التأهيلية.

ولكن، لم يعد من المقبول أن ننتقد الأوضاع دون تقديم الحل أو البديل.

لا بد لنا من فترة انتقالية تسود فيها وتحكم ديكتاتورية بناءة غير هدامة، تضمن لكل ذي حق حقه بدون محسوبية ولا رشوة ولا وصولية ولا انتهازية ولا كذب بواح.

الحل يكمن في حل البرلمان وإلغاء الانتخابات لمدة محددة. والمطلوب حكومة إنقاذ مصغرة بوجوه جديدة، وكفاءات نزيهة بدون انتماءات حزبية سياسية ولا مصالح شخصية لإخراج الوطن من النفق المظلم، مع المحافظة على الاستقرار.

وفي انتظار ذلك، لا يمكن لكل ضمير منطقي حي موضوعي غير انتهازي وغير وصولي إلا أن يصمت في ما يخص عملية إنقاذ الوطن، لأن لا حل ولا رأي ولا تحليلا منطقيا موضوعيا ممكنا مع عشرات الأحزاب السياسية الضعيفة، سواء كانت إدارية أو وطنية، لأنها غير قادرة على تأطير الشعب، لأنها أحزاب أضحت بلا مصداقية، تفتقد إلى القدوات ولا تتدافع سوى من أجل الحصول على مزيد من الدعم مما يستنزف المال العام هباء منثورا. ومعذرة على الصراحة.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *