“الحداثة”… حين تكون وجها آخر لاستغلال الدين في السياسة

إيبوشنا علي

قد يستغرب القارئ من صيغة العنوان، وحُق له أن يستغرب ويتساءل عن دخل “الحداثة” في استغلال الدين في السياسة، وهي المفهوم الفلسفي الذي يبدو في تجلياته في الواقع، معادٍ مُعاداةً شديدة وصريحة للدين، معاداة جذرية لقيمه ومنطلقاته وأصوله باعتباره جزءا من ماض جاثم على الصدور، يمنع الجسم من الحركة والانطلاق والتقدم، غارق في التقليد، منغلق على الذات، معاد للعقل. فكيف للحداثة أن تستغله في حين أنها نشأت لتعتق الإنسان من أغلاله وقيوده على العق،ل ومن ثم إطلاق ممكنات الإنسان للإبداع والإنطلاق إلى رحابة الإنسانية بدل ضيق الطائفية.

إذِ الشائع لدى العامة، والدارج عند النخبة خاصة، أن استغلال الدين لا يكون إلا من قبل المنتسبين إليه عبر خطاب يدغدغ عواطف الناس ويستغل امتلاء جانب مهم من أنفسهم وحياتهم من أجل أغراض سياسية. لكن واقع الحال، مع قليل من التأمل، يؤكد غير ذلك تماما، وأن هناك استغلالا أخطر وأفظع وأنكى للدين في السياسة لكن ذلك يتم تحت يافطة “الحداثة”.

قد تكون متتبعا جيدا للأحداث التي تدور حولك أو لا تكون، لكنك بكل تأكيد تعلم عبر وسائل الإعلام المحلية والعالمية من مجلات وجرائد وإذاعات وفضائيات، أن هناك نخبة “حداثية”، أقلية في المجتمع أغلبية في وسائل الإعلام، تتصدر الحديث عن استغلال الدين، لكنها وهي تتحدث عن هذا الإستغلال، فهي في نفس الوقت تستغله، وتستثمر في الحديث عنه وحوله، بل وتقطف ثماره، لكن هذه المرة من باب “الحداثة”. وثمار هذا الإستغلال تظهر في علاقة هذه النخبة “الحداثية” بالسلطة ومن خلال السلطة تظهر علاقتها بالثروة.

فكل دارس حصيف يعلم كيف نشأت “السلطوية” قبل الإستقلال وكيف رُتِّبَت أمورها إبان الإستقلال وكيف حُميت بعد الإستقلال للإطمئنان على مصالح الداخل والخارج، وأي تربية نشأت عليها، وأي قيم تشبعت بها ودافعت عنها، وأي علاقة لها بالدين : إما فصام تام وقطيعة تحت عنوان “العلمانية” أو، في أحسن الأحوال، تصالحٌ مع “دين” مفرغ من أي مضمون، “دين” لا دين له، منحصر في زي وطقوس وتقاليد موسمية، “دين” مستقيل من الحياة العامة وتَدافُعِها، مغشيا عليه في الزوايا والتكايا التي تتقلب في نعيم أعطيات الدولة بشكل دوري. فهي متصالحة مع هذا النوع من (الدين) و(التدين)، ومسوقة له على أنه الدين السمح، المعتدل، الروحاني مادام لا يحشر أنفه في ميزانيات الدولة وكيفية صرفها، ولا في تدبير مشاريعها، ولا يسائلها في ديمقراطيتها ولا سلطويتها، عنوان برنامجها السياسي “آمين”.

فالنخبة “الحداثية” التي تتحدث عن استغلال الدين في السياسة، تلتقي مع السلطوية في نظرتها للدين، وتعتنق نفس قيمها وتعيش نفس نمط حياتها. وما يكون من السلطوية إلا أن تتلقف هذه النخبة وتؤويها إليها وتحميها وتحمي كل من يدور في فلكها وتغدق عليها من الأموال والإمتيازات ك “خدام حداثيين أوفياء للدولة”، وتُيسر لها تأسيس الأحزاب والجمعيات واستصدار الصحف والمجلات وإنشاء الإذاعات. فهل هناك استغلال أكثر من هذا الإستغلال “الحداثي” للدين وجاهة وانتفاعا وارتزاقا؟ بل إن هذا الإيواء والرضى الداخلي المدفوع الأجر يتعداه إلى رضى وحماية وإغداق خارجي.

ولَعمري إن هذا الإستغلال “الحداثي” للدين لوصفة سهلة تُخول لك التحول من مغمور، فاشل، محدود الدخل إلى مرتزق، ناجح بقدرة قادر، نجم تتسابق عليك كبريات الصحف والمجلات والقنوات المحلية والعالمية.

فيمكنك بجرة قلم أن تسب الدين وتجرح في أصوله وثوابته وعلمائه وأن تقذف نبيه بأقذع النعوت وترقص على مشاعر المنتسبين إليه كما يحلو لك، أو يمكنك أن تفطر في ظهيرة رمضان في عرض مسرحي مصور سيء الإخراج أو تقرر تبادل القبلات مع خليلتك أمام البرلمان وتشحذ لذلك عدسات الكاميرات في اختزال مرضي لقيم الحداثة، أو تعلن عن مثليتك الجنسية وتدافع عنها وعن مقترفيها ، فيمكنك أن تقوم بهذا أو ذاك، لكي تخرج من رحم العدم وتصبح نجما عالميا تتناولك جل وكالات الأنباء العالمية وتدافع عنك جل المنظمات الحقوقية الدولية وتغدق عليك من المال وتساعدك على تأسيس جمعية من جمعيات المجتمع المدني وتمنحك الجوائز العالمية في حرية التعبير لكي ترتفع أسهمك ويصنع لك إسم، وقد تكفل لك اللجوء إذا ضاق بك الحال والمقام حيث أنت.

ويمكنك أيضا، أن تكون ك”سلمان رشدي” وتكتب “آيات شيطانية” (وتكون في نفس الوقت غبيا تُفتي بقتله كما فعل البعض) كي يُحتفى بك وتلقى العناية والحماية. لكن أن تكون مؤرخا ك(روبير فوريسون Robert Faurisson) أو كوميديا ملتزما ذا قضية ك (دييو دوني Dieudonné) أو فيلسوفا ك (روجي جارودي Roger Garaudy) أو عالما لسانيا، ومناضلا إنسانيا ك (نعوم تشومسكي Noam Chomsky) وتتحدث عن المظلوم وتقف في وجه الظالم وتفضح أساليبه، فهذا الذي لن يقبل منك ويكون سببا في التضييق عليك وعلى ذويك،ومحاصرتك، وربما مقاضاتك وسجنك، أو اغتيالك ماديا إذا لم ينفع اغتيالك رمزيا ومعنويا.

هناك صورة أخرى لاستغلال “الحداثيين” للدين وجب الوقوف عندها، نشأت وترعرعت مع أحداث 11 من سبتنبر، وهي ظاهرة “الخبراء” في الجماعات الإسلامية. إذ، كانت الحاجة ملحة من قبل القوى العظمى لكي تمرر سياساتها واستراتيجياتها إلى من يمهد لها ويبررها ويروج لها إعلاميا. ومَنْ أفضل من الجامعيين والدكاترة، الذين من المفترض لهم قيمة اعتبارية في نفوس الناس، لكي يمرروا هذه الأطروحات ومن خلالها تمرير مفاهيم ومصطلحات يلوكونها صباح مساء ليكرسونها ويطبعون النفوس معها كما أراد صانعوها الذين نحتوها بعناية متناهية الدقة في ردهات البيت الأبيض. فأصبح مع هذه الموجة لقب “خبير في الجماعات الإسلامية” أو خبير في “الإسلام السياسي” تخصص يدر على صاحبه الأموال وتُفرد له البرامج المدفوعة الأجر بسخاء في كبريات الفضائيات، ويُفتح له صدر كبريات الصحف، ويُحتفى به في الندوات والمحاضرات، ويحجز له في أفخم الفنادق والإستراحات والمنتجعات، فيصبح مرتزق لا كأي مرتزق، مرتزق من درجة مفكر “حداثي”.

لكن مع كل هذا، لابد من الإستدراك والوقوف عند نقطتين بالغتي الأهمية وتناولهما بشيء من الإيضاح من باب الأمانة والإنسجام مع الذات (Avec cohérence et honnêteté intellectuelle) :

(1)

لابد أن القارئ الكريم لاحظ، منذ مستهل المقال، أننا استعملنا كلمة حداثة بين ظفرين وذلك بشكل مقصود لسبب بسيط : أننا مقتنعون في قرارة أنفسنا أن الحداثة والحداثيين الحقيقيين بَريئون من هذا الإستغلال المرتزق للدين باسم الحداثة. فبدل أن تساهم هذه النخبة في الرقي بالفرد المواطن وتصالحه مع العقل ضد التقليد والجمود، نزلت به إلى الإرتزاق والإبتذال. وعلى سبيل النكتة المضحكة المبكية : ارتقت الحداثة في الغرب بالإنسان وتعالت على الحزام للتوج بالعقل في حين انحصرت عند أغلب “حداثيينا” بداية ونهاية تحت الحزام. وفي الوقت الذي يستيقظ فيه الحداثي الغربي الرابعة صباحا لينتج ويبدع ويبتكر، يدخل “الحداثي” عندنا لتوه إلى المنزل لينام بعد ليلة حداثية حمراء.

(2)

المسألة الثانية التي نود إيضاحها : أن لنا من الوعي التام في عدم الخلط بين فضح استغلال الدين من باب الحداثة من أجل الإرتزاق وبين النقد الواعي والعالِم للدين ولكل منتسب إليه، من أي مرجعية كانت. فعدا أن يكون هذا حقا مكفولا، لا يمن به أحد على أحد، فهو أيضا واجب. وعلى كل الآخرين أن يستمعوا له ويدرسوه ويستفيدوا منه ويستقبلوه برحابة صدر ودون (برانويا). فكما أنه ليس حقا مطلقا، قطعا ليس شرا مطلقا.

العتب كل العتب على الحداثيين الحقيقيين الذين لا ترتفع أصواتهم كفاية بالتنديد بمن يرتزق باسم الحداثة و لا يأخذون مسافة واضحة لا لبس فيها إزاءهم. لأن في النهاية، استغلال الدين باسم الحداثة يضر الحداثة أكثر مما يضر الدين.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *