الانفلات الأمني في سلا وأخواتها

نورالدين برحيلةنورالدين برحيلة

بداية أتقدم بأصدق التعازي لأسرة الشاب الفقيد، الذي غدرته سيوف مجرمين جبناء، انتشروا كالوباء في مغرب الاستثناء.. عدم الإحساس بالأمن في المغرب المهمش حقيقة لا يستطيع أحد طمسها وإنكارها..

شرذمة من المجرمين الأوغاد تلاحق الشاب الضحية بمنطقة القرية بسلا، وهو يستجدي رحمتهم.. يتوسل إليهم.. دون جدوى.. ينهالون عليه بالسيوف والسكاكين.. يعلو صراخه من عمق الفم من عمق الجراح.. يشبعونه طعنا ويتفننون في بتر أطرافه وذبحه بطريقة إجرامية دموية داعشية.. قلوبهم كالحجارة أو أشد قسوة..

هذه الجريمة ليست الأولى ولن تكون الأخيرة.. مادامت المقاربة الأمنية.. مقاربة طبقية.. حيث اليقظة الأمنية تكون من نصيب “قشدة المجتمع” من نافذين ومقربين من صناع القرار، ومخططي السياسات العمومية وخدام الدولة ومختلف “المحميين الجدد” .. هؤلاء في بحبوحة فلك الأمن ينعمون.. إنهم “المنعم عليهم” في حياتهم الراقية.. وفيلاتهم الشاسعة الراقية.. وأحيائهم الأنيقة الراقية..

أما المغرب المهمش.. وهذه مفارقة صادمة.. قد يتواجد هذا المغرب المهمش داخل الرباط وسلا وأخواتها.. لا تهم الأسماء.. في السابق كان مفهوم المغرب المهمش يطلق على المغرب العميق.. اليوم هناك “مغارب” متعددة داخل المغرب الواحد.. في الرباط.. تمارة.. في الصخيرات.. في سلا واخواتها..ينتصب المغرب المهمش في هشاشة الأحياء الشعبية.. في مشاهد صادمة متنافرة بين من يملكون السلطة والمال والنفوذ والتغطية الأمنية ليل نهار.. مساكنهم مؤمنة..مشاريعهم مؤمنة.. أينما حلوا وارتحلوا إلا والأمن في خدمتهم.. في أنديتهم الراقية.. في ملاهيهم المخملية.

في كل الأحياء الشعبية المغربية تنتشر البؤر السوداء الإجرامية.. بكل المدن والقرى المغربية.. حيث كل الظروف خصبة لنمو وازدهار الجريمة.. من تجارة المخدرات بكل صنوفها وعنف ودعارة ونصب واحتيال.. وأمام أعين رجال السلطة.. بدءا بأعوان السلطة “المقدمين”.. لا أعرف لحد الآن في أي مجال لهم قدم السبق؟

نعم الشرطة والدرك والقوات المساعدة (دون إنكار مجهودها) تعرف جيدا تفاصيل جغرافية البؤر السوداء في المجالين الحضري والقروي.. وتعرف كل شاردة وواردة بخصوص مختلف الظواهر الإجرامية.. من شبكات مختصة في السرقة باستخدام العنف وأصحاب السوابق الإجرامية..

أكثر من ذلك أجهزة المخابرات المغربية المتعددة، والتي تشهد كبريات المؤسسات الأمنية الأوربية والأمريكية بكفاءتها العالية.. باعتبارها المجهر الذي يلاحظ وبدقة مختلف أنشطة المواطنين ليل نهار.. مطالبة بتبني استراتيجية استباقية، لا استراتيجية تقاريرية.. مع ضرورة إنجاز تقارير حقيقية حول هشاشة الوضع الأمني وضرورة المستعجلات الأمنية في الحالات الجُرمية الخطيرة ولو اقتضى الحال الاستعانة بالقوات العسكرية.

قبل أربع سنوات، وتحديدا يوم الإثنين 7 أبريل 2014، وجراء احتجاج المواطنين على ارتفاع معدل الاعتداء على المواطنين وتعنيفهم وسرقتهم جهارا نهارا، واستفحال ما وُصِف حينها ظاهرة “التشرميل”، عَقَد حينذاك وزير الداخلية الأسبق محمد حصاد اجتماعا بمقر ولاية الدار البيضاء، حضره العديد من المسؤولين لمختلف المصالح الأمنية، لإرساء ما سُمي بـ”البرنامج الأمني”.

بلاغ وزارة الداخلية وصف آنذاك البرنامج “بالبرنامج المتكامل الذي يشمل مختلف جهات المملكة مع الولاة والعمال ورجال السلطة، بغية تدارس الوضع الأمني بالبلاد، واتخاذ الإجراءات الأمنية الضرورية والمناسبة “لضمان نجاعة السياسة الأمنية، وتعزيز الثقة والشعور بالأمن لدى عموم المواطنين”، وقامت وزارة الداخلية بطمأنة المواطنين أنها وضعت “استراتيجية وطنية شاملة لمكافحة الجريمة بكل أشكالها والحفاظ على إشاعة الإحساس بالأمن والطمأنينة بين المواطنين”.

وقد قد جاء الإجراء استجابة للحملة التي أطلقها الكثير من النشطاء تحت عنوان ‫#‏ زيرو- كريساج، للمطالبة بتوفير الأمن، مؤكدين أن أهمية هذا الموضوع فرضتها “سلسلة من الجرائم الشنيعة التي عاشت على وقعها جل المدن المغربية مؤخراً، خصوصاً بعد أن توالت السرقات تحت التهديد بالسلاح الأبيض”.. لكن روعة التنظير الأمني لم تعرف التنزيل الميداني بدليل احتجاجات المواطنين في الكثير من المناطق ضد ارتفاع منسوف الجريمة والعنف.

موضوع العنف، رغم كثرة الأبحاث والأطروحات والكتابات حوله، أصبح الآن أكثر من أي وقت مضى يحتاج مراجعة شاملة لكل المقاربات التي نبشته، والنبش الفكري في العنف هو سفر في مسالك ملغمة غير آمنة ماكرة أشبه بمكر العنف، تتطلب حذرا وحيطة وتركيزا ويقظة، وتتطلب قبل كل هذا حُكْمًا لا استئناف فيه يقضي برفض العنف بكل أشكاله، مادِّيِه ورمْزِيِّه، ظاهره وخَفِيِّه، مفرده وجمعه.

شرطة القرب التي أطلقها الجنرال حميدو العنيكري، المدير العام الأسبق للأمن الوطني، تجربة أمنية رائدة في المغرب، رغم الانتقادات الكثيرة التي وُجِّهت لها، والتي كان فيها الكثير من التَّحامُل، بين من يرى أن تحركاتها (سيارات رباعية الدفع، دراجات الصقور..) كانت مُكلِّفة للدولة، وآخرون تحدثوا عن خروقات بعض أفرادها، والنتيجة تجميد اشتغالها، وإغلاق مراكزها بالأحياء، وعودة الجريمة.

ختاما القضاء على العنف يستلزم التربية الإجبارية قبل التجنيد الإجباري، لأن الإنسان لا يولد إنسانا ولمنه يصبح إنسانا بالتربية.. ويستدعي العدالة الاقتصادية قبل العدالة الشعاراتية.

أما المقاربة الأمنية لوحدها لن تكون مجدية وناجعة، مادامت الأحياء الشعبية ترزح في مستنقع التهميش.. في فشل ذريع للنموذج التنموي وبرامج محاربة الإقصاء الاجتماعي والهشاشة..وهي مشاريع استنزفت الملايير في بناء ملاعب القرب وغيرها من المشاريع التي لم تعتمد على دراسات سوسيولوجية واقتصادية وافتقرت إلى الاهتمام بالأولويات، بسبب عدم استشارة الكفاءات المغربية في مجال الاقتصاد والعلوم الإنسانية والهندسة الثقافية والتربية والتنمية، وتهميش الفكرين النزهاء.. بعدما تحولت ميزانية المشاريع التنموية إلى غنيمة توزع بطريقة عجائبية، شعاراتها تتغنى بالتنمية وإشراك الشباب لكن الواقع يصدح بخلاف ذلك من إقصاء للشباب وتركه فريسة سهلة للمجرمين من تجار الأوهام ومافيا المخدرات وسماسرة الهجرة السرية.. مع إنتاج واستنساخ المزيد من الكائنات التائهة.. يكفي التجول قرب المدارس الإعدادية والثانوية العمومية في الأحياء الشعبية لندرك حجم الضياع والاستهتار والعدوانية..

تلاميذ يتعاطون المخدرات أمام أبواب الثانويات وبعضهم يتباهى بالأسلحة البيضاء، وغيرها من مظاهر التحرش يالتلميذات من طرف أصحاب بعض السيارات.. وهي ظاهرة أصبحت منتشرة أمام الثانويات وخصوصا في الجامعات المغربية.. وهي كلها ظواهر تعتبر روافد للعنف والجريمة.. وبالتالي ضرورة التعجيل بإحداث الشرطة التربوية.

نعم ننوه بعمل المؤسسة الأمنية في سرعة إلقاء القبض على شقيقين مجرمين بالبيضاء من أفراد العصابة التي أزهقت حياة الشباب الخلوق بحي القرية بشهادة الكثيرين.. لكننا نريد الأمن الاستباقي وليس فقط الأمن الجزائي، والأمن الاستباقي هو مقاربة متعددة الأبعاد، بدءا بالبعد الأسري المدرسة التربوية الأولى مرورا بمختلف المؤسسات التربوية وعلى رأسها وسائل الإعلام التي يروج بعضها للجريمة بأشكال مختلفة، دون أن ننسى أن الإصلاح الحقيقي للتعليم هو المصنع الحقيقي لقيم التحضر والسلم والتعايش والتسامح وكل قيم المواطنة، التي لن يؤمن بها في غياب العدالة الاقتصادية، والحكامة الجيدة التي تعطي المثال في معاقبة المفسدين لا احتضان الفساد، لأن المواطنة تكون بالقدوة الواقعية لا بالخطابات الرنانة.

كل المغاربة سواسية.. لا للتمييز بين المغاربة في الأمن والأمان..

2 thoughts on “الانفلات الأمني في سلا وأخواتها

  • 22 سبتمبر، 2018 at 1:10 م
    Permalink

    رطة القرب التي أطلقها الجنرال حميدو العنيكري، المدير العام الأسبق للأمن الوطني، تجربة أمنية رائدة في المغرب، رغم الانتقادات الكثيرة التي وُجِّهت لها، والتي كان فيها الكثير من التَّحامُل، بين من يرى أن تحركاتها (سيارات رباعية الدفع، دراجات الصقور..) كانت مُكلِّفة للدولة، وآخرون تحدثوا عن خروقات بعض أفرادها، والنتيجة تجميد اشتغالها، وإغلاق مراكزها بالأحياء، وعودة الجريمة.

    Reply
  • 22 سبتمبر، 2018 at 1:12 م
    Permalink

    شرطة القرب التي أطلقها الجنرال حميدو العنيكري، المدير العام الأسبق للأمن الوطني، تجربة أمنية رائدة في المغرب، رغم الانتقادات الكثيرة التي وُجِّهت لها، والتي كان فيها الكثير من التَّحامُل، بين من يرى أن تحركاتها (سيارات رباعية الدفع، دراجات الصقور..) كانت مُكلِّفة للدولة، وآخرون تحدثوا عن خروقات بعض أفرادها، والنتيجة تجميد اشتغالها، وإغلاق مراكزها بالأحياء، وعودة الجريمة.

    Reply

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *