الإصلاح مطلب الجميع… والجميع متهم بالفساد!!!

سليمة فراجيسليمة فراجي

لسنوات وعقود، والمفكرون والسياسيون وصانعو القرار والمهتمون بالشأن العام وحاليا رواد الفضاء الأزرق والمواقع الإلكترونية يكثرون من تناول موضوع الإصلاح ومحاربة الفساد، ولكن عندما نحاول تقييم الإنجازات بخصوص تحقيق الإصلاح نشترك جميعا في الشعور بعدم الرضا والاستياء والإحباط، وندرك بأن الإنجاز بقي دون مستوى الطموح المنشود بين متفائلين ومتشائمين وواقعيين..

ولئن كان الإصلاح وشعار محاربة الفساد أصبحا الموضوع المسيطر على طاولات النقاش الفكري والسياسي والمواقع الإلكترونية والجرائد الورقية، والبرامج الانتخابية، يجمع عليه المرشحات والمرشحون للمناصب العامة، فإن البرامج الحكومية – وأذكر على سبيل المثال لا الحصر البرنامج الحكومي المقدم أمام البرلمان المغربي سنة 2012- كان لامعا وبراقا ومنمقا بشعارات الإصلاح ومحاربة الفساد وربط المسؤولية بالمحاسبة سرعان ما أعقبها التحلل والتخلي عما تم الالتزام به بالانتصار لقاعدة عفا الله عما سلف…

وبمجرد ما تقود أحزاب الأغلبية الحكومة تُنَصِّب المعارضة نفسها مطالبة بالإصلاح، وتصبح مكونات الحكومة موصوفة بالفساد.. ولعل المتتبع للشأن السياسي لاحظ وقارن أسئلة المعارضة البرلمانية الحارقة بالأمس القريب وأجوبتها وهي تقود الحكومة الحالية، نستنتج من ذلك أن مصطلح الإصلاح أفرغ من محتواه الحقيقي في الوقت الذي تصر كل الطاقات الحية على الكف عن اعتباره والتعامل معه كمادة للمؤتمرات وعنوان لحلقات النقاش والبرامج التلفزيونية التي يلجأ فيها المتحاورون غالبا إلى لغة الخشب والتقيد بتعليمات القيادات الحزبية، لأن ورش العمل بالإصلاح هو ضرورة وليس خيارا أو ترفا فكريا، وأصبح على عاتقنا ومن مسؤوليتنا كل من موقعه التعامل بجدية أكثر تجعلنا قادرين على تشخيص موقعنا الحقيقي من عملية الإصلاح ولا نفشل كما فشل السابقون في عملية تشخيص موقعنا الحقيقي من التنمية والتعامل مع معوّقاتها، أسئلة أساسية علينا مواجهتها بشجاعة ومهنية وجرأة ليس من قبيل الإثراء بل كوسيلة أساسية لتحديد معالم الطريق نحو الإصلاح، لا أن نستمر في الدوران في حلقة مفرغة تؤدي إلى نتيجة مفرغة من الإحباط الذي بدأ يتسلل إلى الكثيرين، خاصة فئة الشباب وما يستتبع ذلك من ظواهر عدم الاستقرار الاجتماعي والسياسي، بل بلغ الأمر إلى حد الاستهتار بقدسية الوطن ونبذه كحمل أعلام دول أجنبية والتجرد من الشعور الوطني الذي لا يتأتى إلا بواسطة التهذيب الراقي والتربية الوطنية الحقة. ولعل أزمة التعليم في المغرب والإفلاس الثقافي أسهمت في هذه الأوضاع الشاذة، والسؤال المطروح هل نحن كأفراد ومؤسسات وسلطات جادون في تحقيق الإصلاح؟ وأي إصلاح نريد؟ ولصالح من؟ هل ندرك بأن سياسة إصلاحية لها ثمن، وهل هناك استعداد حقيقي لتقديم هذا الثمن حتى وإن أثر سلبا على مصالح البعض؟

التجارب تؤكد لنا المرة تلو الأخرى أنه عندما تتصادم المصالح الخاصة سواء لحزب أو جماعة أو حتى أفراد نافذين مع المصلحة العامة يتم تغليب المصالح الخاصة على حساب العامة وبطرق ملتوية حتى لا تظهر العملية بشكل مكشوف ومحرج، وبذلك يتبخر الكلام المنمق عن ضرورة الإصلاح لما تمس الديمقراطية المصالح الخاصة للبعض فينقلبون ضدها، بمعنى أن القوى السياسية أو الاقتصادية التي تتحدث ليل نهار عن ضرورة الإصلاح ومحاربة الفساد عندما تقترب منها السياسات الإصلاحية وقرارات محاربة الفساد نجدها تهاجم وبشراسة تلك السياسات والقرارات وتتهم المصلحين بأنهم مفسدون ومدمرون للقوى الاقتصادية… وبما أن الفساد والإصلاح متناقضان وأن الإصلاح يفرض وأد الفساد، فإن الأول يتطلب الإصلاح المؤسساتي للدولة والمجتمع المدني والقطاع الخاص لتعزيز مبادئ الإدارة المعقلنة الرشيدة وإطلاق حريات التعبير والتنظيم وفتح حوار مباشر مع كل القوى الحية الفاعلة في المجتمع وإنشاء شبكات من المنظمات والجمعيات التي تلتقي حول الأهداف نفسها مع إشراك المجتمع بجميع شرائحه لا الاكتفاء بالقناعات الشخصية للبعض أو استيراد إيديولوجيات أو تجارب غير ملائمة من الخارج، علما أن الرغبة في التغيير من أجل الأفضل تبدأ من الفرد ذاته قبل أي شيء آخر وإن التحديث لا يكون إلا بتحول الفرد من شخصية ساكنة إلى شخصية متحركة، وهذه الرغبة في التغيير والحركة والبحث عن الأفضل مسألة نابعة من المجتمع، وتغيير الفرد ثقافيا هو مفتاح التقدم أو التخلف. أما المؤشرات الاقتصادية والسياسية فهي مجرد دلائل مادية تعبر عن نجاح المجتمع في حركته من عدمها، وتتجلى دعائم الإصلاح في سيادة مناخ الشفافية في المؤسسات الحكومية ووأد الفساد في مكامنه من رشوة واستغلال النفوذ والغدر والمحسوبية والزبونية والتوزيع غير العادل للثروات والغنى الفاحش وتغليب المصلحة الخاصة على العامة ونهج سياسة جبر الخواطر بإعطاء المناصب كمكافأة على المساعدة لإيصال البعض إلى مناصب القرار ولو تناقضت مع مبدأ الرجل المناسب في المكان المناسب في خرق سافر لشرط الكفاءة والقدرة على تحمل المهام..

آنذاك يمكننا الحديث عن بناء الثقة المجتمعية ومواجهة موجات السخط والاحتجاج والتنديدات التي أصبحت تهدد أمن واستقرار البلاد مع تعديل القوانين المقيدة للحريات وإطلاق الطاقات الكامنة لدى الأفراد في التعبير والمشاركة والتفاعل الحر مع المتغيرات مع التركيز على مجال التعليم بتبني برامج ومؤسسات تعليمية متطورة تكون المخزون الثقافي لمجتمع المعرفة وتتبنى غرس قيم الانفتاح والقبول بالآخر وتنمي الذات المنتجة المبدعة مقابل الذات المستهلكة المقلدة؛ فالإبداع والخلق هما الدعامة الرئيسة لنماذج تنموية ناجحة، مع الانتصار لإدارة رشيدة وحكامة جيدة مع سيادة القانون وتعزيز الحريات واستقلال فعلي للقضاء وتكافؤ الفرص وتعاظم المشاركة على كافة المستويات.. وإذا كان أحد الفلاسفة قال إن المهم هو أن نعمل كي نتحرر وليس المهم أن نفني أعمارنا في البحث عن وجود الحرية، فإن المهم بالنسبة إلينا هو أن نتجند من أجل عملية إصلاح شاملة بدل أن نفني أعمارنا في محاولة تعريف الفساد وهلامية شعار محاربة الفساد ونحن نعاين معارضة مصلحة منادية بمدينة أفلاطون وحكومة مشيطنة لا تفقه إلا في الفساد والإفساد مع تغيير الأدوار حسب التحالفات الحكومية، وبين هذا وذاك يعم الجمود واللامعنى الذي أصبح يطبع الحياة السياسية ويزيد من إحباط وسخط المواطن، ذلك المواطن الثائر المحتج المندد والذي إذا منح المنصب الذي يندد به وبطريقة اشتغاله وكيفية الوصول إليه يصبح بدوره محل اتهام بالفساد وحام لمصالحه الشخصية.. كم نحن بحاجة، إذن ، إلى ثورة ثقافية روحية اجتماعية، وكما قال الكاتب أمين الريحاني: “فالمرء الذي يثور على نفسه فيصلحها إنما هو المصلح الحقيقي”.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *