إقبال ضعيف على صناديق الاقتراع واندحار الإسلاميين حصيلة انتخابات بلدية باردة في الجزائر

ياوطن – الجزيرة

“والله لم أكن لأنتخب حتى ولو وضعوا رأسي على مقصلة”. بهذه العبارة القاسية والناقمة على الوضع عبّر حاتم عن رفضه التصويت في انتخابات المجالس البلدية الخميس الماضي بالجزائر.

حاتم ينتمي لشريحة واسعة من الشباب الذين لا يرون في الفعل السياسي عموما والانتخابات خصوصا أي جدوى، بل يرونه فرصة يستغلها الانتهازيون للوصول للمناصب وتحقيق المصالح والمنافع، خاصة أن ظروف الحياة تزداد صعوبة وسوءا مع تكرار الانتخابات.

يقول حاتم إن “حياته عذاب في عذاب لا عمل ولا أمل في الأفق، ولو أتيحت لي فرصة للهجرة لما ترددت لحظة واحدة، فلا شيء لي هنا رغم أنني سليل أسرة حاربت الاحتلال الفرنسي وقدمت شهداء ومجاهدين”.

وليس حاتم وحده من امتنع عن التصويت، بل إن أكثر من 55% من الجزائريين لم يشاركوا في اختيار أعضاء المجالس البلدية في ثاني انتخابات تشهدها البلاد هذا العام والسادسة من نوعها منذ الانفتاح السياسي مطلع 1989.

خارطة ثابتة

وزير الداخلية نور الدين بدوي قال إن نسبة المشاركة في انتخابات أمس الأول الخميس بلغت نحو 45%، وهي نسبة أحسن من نسبة المشاركة في الانتخابات التشريعية الماضية التي لم تتجاوز 35%. وجاءت النتائج متقاربة جدا إن لم نقل مكررة، حيث حافظت الموالاة على تقدمها من خلال حصولها على أكثر من 1100 بلدية من بين 1541 مجلسا، تتشكل منها محافظات الجزائر 48.

وصوّت أكثر من عشرة ملايين ناخب من بين 23 مليونا مسجلين، وألغيت أكثر من مليوني ورقة، وهو عدد يتجاوز نظيرتها في انتخابات مايو/أيار الماضي، حيث لم تتجاوز مليونا وسبعمئة ألف. ويرى مدير صحيفة “الجزائر” أحسن خلاص أن النتائج التي أعلنها وزير الداخلية تكرس الخارطة التي أفرزتها الانتخابات البرلمانية الماضية مع بعض التغيير في نتائج المعارضة.

وقال خلاص إن حزب جبهة التحرير الوطني الحاكم حافظ على ريادته رغم الهزات التي شهدها خلال الفترة الماضية، وأضاف “اختياره مرشحيه على أسس قبلية صب في مصلحته”، مشيرا إلى أن حزب رئيس الوزراء الحالي أحمد أويحي التجمع الوطني الديمقراطي في حالة صعود ثابت في منذ انتخابات 2012.

تراجع الإسلاميين

وبخصوص تراجع أحزاب المعارضة، خاصة الإسلامية، يؤكد خلاص أنها لم تقم بحملة انتخابية قوية، ولم تنجح في توسيع وعائها الانتخابي، ودخلت الانتخابات كأنها غير مؤمنة بالفوز، مؤكدا أنها لا يمكنها “أن تتحجج بالتزوير لتبرير تراجعها”.

وفي المقابل، يرى خلاص أن أحزاب الموالاة قادت حملة قوية بشكل ملفت، وصرفت أموالا طائلة، وحاولت الحفاظ على وعائها الانتخابي الثابت.

الأمين العام لحركة النهضة -التي شاركت ضمن تحالف مع حركة البناء وجبهة العدالة- القيادي محمد دويبي أكد أن نتائج الانتخابات المحلية حسمت قبل أن تبدأ، “بسبب قانون الانتخابات وعملية جمع التوقيعات، وإقصاء الكثير من الترشيحات التي قدمتها المعارضة”.

ويقول دويبي إن المفاجأة والغرابة “أن يعاد انتخاب أحزاب الموالاة بهذه الكيفية، وهي من أوصلت البلاد إلى هذا الوضع الكارثي، وأعلنت في أغسطس/آب الماضي أن خزينة الدولة لم يبق فيها سوى خمسين مليار دولار”.

ويوضح دويبي أن التراجع في هذه الانتخابات ليس حصرا على التيار الإسلامي، بل إن الحريات السياسية هي من تراجعت في البلد، مضيفا أنه ليس هناك أي تيار تقدم “لأن الموالاة هم أصلا في السلطة ويستعملون كل الأدوات للبقاء فيها”.

نجاح السلطة

دويبي أشار إلى تأثير ما يسميه تيار مقاطعة الانتخابات الذي أثر امتناعه عن التصويت في النتائج التي يحققها الإسلاميون وغيرهم من التيارات المعارضة الأخرى. وحصلت حركة مجتمع السلم على رئاسة 49 بلدية، بينما لم تتجاوز حصة تحالف الاتحاد من أجل النهضة والعدالة والبناء سوى ثماني بلديات.

ويرى أستاذ علم الاجتماع السياسي بجامعة الجزائر نور الدين بكيس أن انتخابات الخميس كانت أهدأ انتخابات تمر بالجزائر، واعتبرها “انتصارا للسلطة” على أساس أنها لم تزور الاقتراع، ولكنها أسست مشهدا يعيد إنتاج النظام السياسي الحالي، وجعلت المواطن يفرق بين الشأنين المحلي والسياسي في مستويات أعلى، “رغم أن الكثير يعتقدون بأن هناك فسادا في أعلى هرم السلطة”.

ويقول بكيس إن النظام حول العملية السياسية إلى وسيلة للترقية السياسية، وإن اختيار الأشخاص أصبح مقدما على اختيار البرامج والأطر الحزبية، “وهذا يعد نكسة للعملية السياسية”. ويؤكد أن السلطة وصلت لهذه النتيجة بعد عمل استمر سنوات طويلة بدأ منذ صدمة الانتخابات التشريعية عام 1991، التي فازت بها جبهة الإنقاذ الإسلامية وألغاها الجيش.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *