أنين تحت وطأة الجريمة وكيد المجرمين في المغرب

عبد السلام لعروسيعبد السلام لعروسي*

ليست هي بأطلال ولا هي أساطير من نسيج الخيال، وإنما هي حقيقة مُرّة فرضها واقع مُؤلم يعكس ما جناه شعبٌ مغلوب على أمره، تمّ تهميشه وإقصاؤه من لدن ساسة حكومات توالت منذ عقود، ساسة يفتقدون لأدنى متطلّبات المسؤولية أو تدبير أمور الرعية! هو واقع يسلب الكثيرين حق العيش الكريم في أمان واطمئنان بين أهليهم وبنيهم ودويهم! عمّت الجريمة وانتشر المجرمون في ربوع البلاد، بلاد المغرب الجميل بجمال جباله وهضابه ورمال صحرائه، وسحر بحاره ودفء شمسه، بلاد الطيّبين ذوي الكرم والجود، بلاد تسامح الأديان وتعايش الأجناس، بلاد البربر والعرب والأندلس، بلاد شهد لها التاريخ حين كانت ملاذ أمن وأمان لشعوب وأجناس قُهرت واضطُهدت في أوطانها الأصل، ولا أحد يُنكر زمان قصد اليهود بلاد المغرب هروبا من قهر النازية الألمانية، واتخذوه حصن أمان لهم ولممتلكاتهم. هو مغرب دارت عليه عجلة الزمن ليجد نفسه يئنّ تحت وطأة الجريمة وكيد المجرمين خرّيجي السجون، ومحترفي البطش والبلطجة والسطو على ممتلكات الغير.

نعم! إنها الجريمة التي تفشّت في الشوارع والأزقة والأماكن العمومية في كلّ زاوية في كلّ مكان، المجرم السكّير أصبح يسرق وينهب ويضرب في عزّ النهار دون مبالاة بمن حوله. تخلّت أخواتنا عن لباس حليّهنّ، ولم تعد أمهاتنا تستطعن حمل حقائبهن اليدوية، فُرض عليهنّ حضر تجوال غير معلن، وحُرم الرجال والنساء من فتح زجاج نوافذ سياراتهم أثناء السياقة، أبواب بيوتنا ونوافذها أصبحت محصّنة بقضبان فولاذية وكأننا صرنا في عداد أهل سجون مفتوحة نتيجة أحكام ظالمة جائرة.

افتقدنا لطعم الأمان والأسلحة البيضاء بشتّى أنواعها باتت تعترض سبيلنا إكراها، وأصبحت كابوسا في يقظتنا.

طامّة الجريمة لم تنحصر في السطو والنهب فحسب، وإنما تعدّت ذلك إلى أن يغتصب المسنّ الطفل الصغير، ويقتل الابن والديه، وأن يعتدي التلميذ على معلمه، وأن تُغتصب الفتيات على يد حشّاشين سكّيرين، لا رحمة ولا شفقة في قلوبهم، ممّا يجعلنا أحيانا نظن أنهم مخلوقات نزلت من كواكب غريبة بعيدة لا روح تحسّ ولا قلب يلين ولا ضمير حاضر.

لعلّ بعض أسباب تفشّي هاته الآفة وارتفاع وتيرة تفاقمها تتجلّى في الحالة المزرية التي يعيشها حقل السياسة الثقافية والتربوية من تدنّي منظومة التعليم، حيث أضحى التعليم صندوق غنائم تُقسّم بين القائمين على القطاع.

أسباب الجريمة تتزكّى أكثر بتزايد الفوارق الاجتماعية والمجحفة على مستوى كلّ الشرائح وتهميش الطبقة الفقيرة، وهي الشرائح الاجتماعية التي أدارت لها المؤسسات وأجهزة الدولة والأحزاب ظهورها.

كما أن تواطؤ السلطات مع مروّجي المخدرات، بل أكثر من ذلك الترخيص لبيع الخمور دون التركيز على مراقبة تجارتها، هي أسباب جليّة تسهم في تفاقم الآفة.

كلّها أسباب تقطع الشكّ من اليقين وتزيح كلّ أوجه الغرابة في أن المجتمع يعيش تهديدات متزايدة حصيلتها شباب حاقد، يائس، متمرّد تَطوَّر سُخطه هذا ليُحوّله إلى مجرم وحش قاطع للطريق، ليس له شيء يخسره في حياته.

شباب فاقد لكلّ محفّزات الانسجام والتضامن ولمقوّمات القيّم الإنسانية، تنعدم فيه كل بوادر المكسب الثقافي والأخلاقي.

*خبير في الهندسة الميكانيكية للقطارات مقيم بألمانيا

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *